المراكشية : نورالدين بلحاج الكتبي
لم يكن اختيار ساحة الكتبيين بمدينة مراكش فضاءً لتكريم الأستاذ الجامعي والباحث محمد الطوكي، ضمن فعاليات المعرض الجهوي للكتاب، مجرد قرار تنظيمي مرتبط بموقع الاحتفال، بل حمل دلالات رمزية عميقة اختزلت مسارا إنسانيا وعلميا امتد لعقود. ففي المكان نفسه الذي احتضن طفولته الثقافية، عاد الطوكي هذه المرة مكرّما بين زملائه وطلبته وفاعلين ثقافيين، في مشهد جسّد معنى الوفاء للمكان الذي صنع البدايات، ويحتفظ بذاكرة الأحلام الأولى.

وفي كلمته بالمناسبة، استعاد المحتفى به تفاصيل من سنواته الأولى، حين كانت ساحة الكتبيين إحدى محطات الحياة اليومية لآلاف المراكشيين وزوار المدينة. وروى كيف كان يتردد على المكان لمتابعة حلقات الحكواتيين والرواة الشعبيين، حيث كان يجلس متربعا بين الجمهور بعد أن يدفع ريالا واحدا مقابل متابعة عروض الصغار، مستمعا بشغف إلى وقائع السيرة الهلالية وغيرها من السير البطولية والحكايات الشعبية التي كانت تستقطب جمهورا واسعا. ولم تكن تلك الحلقات بالنسبة إليه مجرد لحظات للفرجة والتسلية، بل شكلت مدرسة مفتوحة للتعرف على فنون السرد الشفهي والتعبير الشعبي التي سترافقه لاحقا في مساره الأكاديمي والفكري.
وتوقف الطوكي عند التأثير العميق الذي تركته تلك المشاهد في تكوينه العلمي، موضحا أن ارتباطه بجامع الفنا وساحاته وحلقاته الشعبية تحول مع مرور السنوات إلى موضوع للبحث والدراسة. فبعد مسار طويل في التدريس والبحث الجامعي، جعل من فضاء جامع الفنا وأشكال التعبير الشفهي المرتبطة به إحدى القضايا المركزية في اهتماماته العلمية، انطلاقا من قناعته بأن هذا التراث يمثل شكلا أصيلا من أشكال الإبداع العربي والمسرحي الذي نشأ من رحم الثقافة الشعبية المغربية والعربية.
وفي سياق استحضاره لذاكرة المكان، أشار المحتفى به إلى نماذج من النصوص والدراسات التي تناولت فرجة الحلقة بجامع الفنا، ومنها قصة الراوي الذي كان يقدم سيرة سيدنا علي والثعبان في ساحة الكتبيين، مستعملا حبلا وحجرا لتحريك أحداث الحكاية وإشراك الجمهور في تفاصيلها. واعتبر أن مثل هذه الأشكال التعبيرية تكشف غنى التراث الشفهي المغربي وقدرته على إنتاج فرجة قائمة بذاتها، تجمع بين السرد والتمثيل والتشويق والتفاعل المباشر مع الجمهور.
وجاء التكريم في هذا الفضاء التاريخي ليمنح المناسبة بعدا استثنائيا، إذ بدا وكأن مسار المحتفى به قد عاد إلى نقطة انطلاقه الأولى. فالشاب الذي كان يجلس وسط المتفرجين منبهرا بعوالم الحكواتيين والرواة عاد بعد عقود إلى المكان نفسه، لكن بصفته باحثا وأستاذا جامعيا ساهم في خدمة المعرفة والجامعة المغربية، وأشرف على تكوين أجيال من الطلبة والباحثين الذين أصبح العديد منهم فاعلين في الحقلين الثقافي والأكاديمي.
ولذلك لم يكن التكريم مجرد احتفاء بمسار مهني أو أكاديمي، بل بدا بمثابة اعتراف بقيمة العلاقة التي تربط الإنسان بذاكرة المكان. فساحة الكتبيين، التي كانت شاهدة على البدايات الأولى لشغف محمد الطوكي بالحكاية والثقافة الشعبية، تحولت إلى فضاء للاحتفاء بمن جعل من تلك الذاكرة موضوعا للبحث والتأمل العلمي، في مشهد اختزل معنى الوفاء للمكان وقدرته على صناعة المسارات الاستثنائية.