لا تقتصر أهمية معجم كولان للعامية المغربية على كونه مرجعا لغويا، بل يتجاوز ذلك ليشكل وثيقة تاريخية واجتماعية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، وخاصة بمدينة مراكش التي استقى منها الباحث الفرنسي جورج س. كولان جزءا كبيرا من مادته المعجمية.

لقد عاش كولان بين السكان، وجالس التجار والحرفيين والعمال في الأسواق والمقاهي، وسجل المفردات كما كانت تنطق في الاستعمال اليومي، بعيدا عن اللغة الرسمية أو الأدبية.
وتكشف صفحات المعجم عن حضور قوي للمجال العمراني والتجاري المراكشي، إذ وثق كلمات مثل الرحبة للدلالة على الساحة المخصصة لبيع السلع، والقيسارية التي تطلق على السوق المسقوف، والفندق باعتباره فضاء لإقامة التجار وتخزين البضائع، إلى جانب مفردات مثل الدرب والزنقة والسويقة والفران والملاح، وهي ألفاظ لا تزال تشكل جزءا من الذاكرة المكانية للمدينة العتيقة وتعكس خصوصية عمرانها وتنظيمها الاقتصادي والاجتماعي.
ولم يتوقف اهتمام كولان عند وصف الأماكن، بل امتد إلى رصد القيم والعلاقات الاجتماعية التي تميز المجتمع المراكشي. فقد سجل مفردات مثل التويزة التي تعبر عن روح التعاون الجماعي، والصواب أو الهدية التي تقدم في المناسبات، والعمار باعتباره دعاء بالخير للضيف، إضافة إلى كلمات أصبحت جزءا من الهوية الثقافية المغربية مثل النية للدلالة على صفاء القلب، والمعقول بمعنى الاعتدال وحسن التصرف، والحشومة التي تختزل منظومة من القيم الأخلاقية، والخاطر الذي يعبر عن المكانة المعنوية والاعتبار الاجتماعي بين الناس.
وتؤكد هذه النماذج أن معجم كولان لم يكن مجرد جهد لتفسير الكلمات، بل كان مشروعا لتوثيق مجتمع كامل من خلال لغته. فقد حفظ للمغاربة مفردات كانت تتداول في الأسواق والأحياء والدروب، وربطها بسياقاتها الثقافية والاجتماعية، ليصبح المعجم اليوم مرجعا أساسيا لفهم تاريخ اللهجة المراكشية والدارجة المغربية، ومصدرا لا غنى عنه للباحثين في اللسانيات والتراث والأنثروبولوجيا.