الصفحة الرئيسيةرأي

د. أسامة شعبان / يوميات سجين٢

التفاؤل بالخير

أستيقظُ على غير عادتي، وَجِعَ الرأس، مُكفَهِرّ الوجه، غائر العينين، مُحدودِبَ الظهر، مشوَّش التفكير… وتُراني أُهرَع إلى المرآة متثاقلًا إلى الأرض: هذا أنا؟! لا..! أجيبُ نفسي سريعًا.. هذا عارض بسبب نَوْمةٍ غير سَوِيّة، ولن أستسلم أبدًا للمشكلة التي بتُّ وأنا أفكر فيها.. وسأردّد خلف القائل المتفائل: الحياة حلوة بالخير.
ماذا يفيد التشاؤم؟ ما يُغني النَّكد؟ هل يُخرجُ الحزنُ من الواقع المَعِيش؟ لن تعود اللحظاتُ الضائعة في الشّرود والشّكوى؟
الأمل يؤدي بنا إلى الطموح، والطموح يبثّ فينا العزيمة، والعزيمة تدفعنا إلى العمل، والعمل حركة وتحقيق عزيمة ذاتٍ وفَرَح… والعَتَبة نِصْفُ الطريق.
نَعَمْ، قِسْم كبير من ألمي وانزعاجي زال مع التفكير الجيّد بالأمور، والقسم الثاني تلاشى مع نهاية ارتشافي لفنجان من القهوة اللبنانية على نافذة الحياة في ضيعتنا التي تَرْبُضُ على كتِف الجبل الأخضر؛ وأنا أغنّي (الطُّغَرائي، الحسين بن علي، ت514هـ): [البسيط]
أُعلِّلُ النَّفْسَ بالآمالِ أَرْقُبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فُسْحةُ الأمَلِ!
لم أرتَضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ
فكيفَ أرضَى وقد ولَّتْ على عجَلِ!؟
فاصبِرْ لها غيرَ مُحتالٍ ولا ضجِرٍ
في حادثِ الدَّهْرِ ما يُغْنِي عنِ الحِيَلِ

خمسون ليلةً في سِجْن النَّدَم

هذه القصة من أكثر القصص التي تغيّر حياتك، وتؤثّر في بَرانيّك وجُوانيّك..
قبَسٌ من دروس السيرة النبوية الشريفة، ولُمَعٌ من مواقف صحابته الميامين.. فيها العِبَر والفِكَر، لمن تدبّر وتذكَّر.

الزمان: رجب من السنة التاسعة للهجرة.
المكان: المدينة المنورة الزهراء.
الواقع: أينع الثمر، واشتد الحرّ، وفاء النخل، بأحلى ظلّ… فاغترّ البعض بهناءة المُقام، وأعرضوا عن الجهاد في سبيل الله.
الطارئ: صرّح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بغزوة تبوك (تبعد قريب 700 كلم).
سبب المعركة: عزم هرقل على غزو المدينة، وجرأة النبي بخروجه لمواجهة جيش الروم.
حالة جيش المسلمين: سمي جيش العُسرة لأجل قلة العتاد والعدة والعديد ووسائل النقل، والسفر طويل في الصحراء، في سنة مجدبة، وحر شديد، وعسر من الزاد والماء.
موازين المعركة: ثلاثون ألف مسلم مقابل أربعين ألفًا من الروم مع بعض مرتزقة العرب.
الحَدَث: تخلّف مَن تخلّف عن الالتحاق بجيش المسلمين.
العارض: النبي عليه الصلاة والسلام عند وصوله تبوكَ يسأل عن الصحابي كعب بن مالك.
نتيجة المعركة: عدم ملاقاة جيش المسلمين للروم، ومكوثهم ثلاثة أيام لإظهار الشجاعة والهيبة.
خداع الحِيَل: طلب بعض الناس من كعب بن مالك أن يكذب معتذرًا بالمرض.
رجوع النبي ودخوله المسجد: الوفود تهنّئ بالسلامة، والمتخلفون (قريب ثمانين) يعتذرون (ومنهم منافقون).
العُقدة: ثلاثة صحابة: كعب بن مالك، ومُرارة بن الرَّبيع العَمْرِيّ، وهِلال بن أُميّة الواقِفِيّ، يقولون الصدق: تثاقلوا إلى الأرض وماطلوا وتكاسلوا.
الحُكْم: مقاطعة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم لهم، فلا سلام ولا كلام.
تُرى ما الحلّ؟ وما العمل؟

– الله حثّ على الخروج لمعركة تبوك، وعاتب وعاقب المتخلفين بلا عذر.
– النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، أخذ بالظاهر واستغفر للمتخلفين الذين اعتذروا، ومنع الصحابة من التكلم مع الثلاثة الذين اعترفوا بعدم العذر.
– كان كعب بن مالك وقتَها شابًّا فلم يبق في بيته داعيًا باكيًا مصلّيًا، بل ارتاد السوق وأتى المسجد وقصد أعزّ أصدقائه، ولكن لم يجد من يكلّمه ويرد عليه!
– عرف المشركون الأنباط بذلك، فأرسلوا بريدًا يسلّم كعبًا رسالة يدعوه فيها ملِكهم غسّان إلى الانضمام إليهم، فأحرقها كعب وعرف أنّ هذا أيضًا من البلاء.
– في الليلة الأربعين أرسل النبي من يطلب من زوج كعب أن ترجع لبيت أهلها، تأكيدًا لمقاطعته.
– عرفوا أنه لا ملجأ من عذاب الله إلا بالإنابة إلى الله.. ولسان حالهم: [الوافر]
إلهي قَلَّ صَبري واحتمالي
وضاقَ الحالُ وانصَرَمَت حِبالي
إلى مَن يَشتكي المسكينُ إلّا
إلى مولاهُ يا مَولى المَوالي
– جاء المبشّر إلى كعب والبقية فجر ليلة الخمسين، أن وحيًا نزل على النبي عليه الصلاة والسلام بصدق توبتهم.
– قصد كعب المسجد ليجد وجه النبي متهلّلًا ولسانه مستبشرًا بالقرآن الذي نزل بتوبة الله عليهم، فعاهده على الصدق الذي نجّاه مدى الحياة، وتصدّق حِسبةً لله تعالى.
قال الله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة/ 118].
– كان الذنب يخنقهم، وكاد الكرب يقتلهم.. تركوا نصرة نبيهم.. في وقت العُسْرة.. بدلَ أن يكونوا سيفًا بيده، وسهمًا في جَعْبَته، ودِرعًا له، دَرْءًا عنه.. ولاءً وفِداءً.. نحُورهم دون نَحْره.. حبًّا به وطلبًا لجَنَّة تحت ظلال السيوف.
كيف عاش الثلاثة في سجن كبير بلا جدران؟ حتى ضاقت عليهم أرض الله الواسعة غمًّا وندَمًا.. وضاقت عليهم أنفسهم بما نالهم من الوَجْد والكرب.. بتخلُّفهم عن رسول الله.. كيف يُصلحون ما فعلوا وقد تلكأوا عن الخروج مع حبيبهم وقائدهم محمد؟
كيف مضت هذه الليالي الخمسون؟ وما أطولَها في بُعدهم عن لقاء ومخاطبة ومعانقة وتقبيل ومجالسة نبي الهدى رسول السلام..
كيف كان كعب يدخل المسجد فيسلّم على النبي ويتأمّل هل حرّك شفتيه بالرد عليه؟ كيف كان يصلّي كعبٌ قرب النبي فينظر النبي إلى كعب، ثم يُسارق كعب النظر إلى النبي فيعرض عنه؟
ما هذا الشعور؟ كم تسارعت دقات قلبه؟
كيف استطاعوا الشرب والأكل والنوم والتنفّس؟
كم آلمتهم الحنايا؟ وكم أخْضَلوا لِحاهُم؟ وكم ناجوا الله وتابوا وآبوا؟
يعيشون مع رسول الله وأصحابهم في المدينة وقد قاطعوهم واعتزلوهم… فأيّ سجن هذا؟! حتى تاب الله عليهم.
اللهم ارحمنا وسامحنا.. يا غافر الذنب وقابل التوب.. يا الله.

ثلاثمئة وتسع سنين في الكهف

سبعة شباب مدحهم الله أنهم فتية آمنوا به وزادهم هدى، أسلموا له وجوههم، وفرّوا حفاظًا على إيمانهم من حاكم ظالم غاشم، وأوَوا على مضَضٍ إلى كهف خارج البلدة، فلحقهم كلب يعوي وهم يسكتونه حتى لا ينكشف أمرهم، فأنطقه الله الذي أنطق كل شيء: “أنا لا أكفر بالله، لماذا تطردونني؟”، فتعجّبوا أيّما عجب وأخذوه معهم. في الكهف استسلموا لتعب النهار وناموا نومة طويلة استمرت ثلاثمئة وتسع سنين، سميت “نومة أهل الكهف”؛ وهم يُقلّبون يمينًا وشمالًا، تدخل عليهم أشعة الشمس لطيفة، لا تغيّر ألوانهم، ولا تبلي ثيابهم، مع النسيم العليل، كي لا يكون الكهف رطبًا باردًا ولا حارًّا مكربًا. حمى الله لحومهم من أن تأكلها الأرض، وسخّر الأسباب لتماسك جسومهم، واستمرار حياتهم بلا شراب وطعام، وإخراج فضَلات؛ وهو القادر على كل شيء، الفعّال لِما يُريد، الذي أبدع وصوّر كل الوجود بلا استثناء.
سلّط الله عليهم النوم رحمةً بهم، عبرةً لنا، قصة تُروى لكل جيل لتزيد الذين اهتدوا إيمانًا وتعلّقًا بطاعة الله، وشوقًا للاستفسار عن أحوالهم؛ قصة فيها آية من آيات الله الدالّة على كمال قدرته، تناقلتها الأمم السابقة صدقًا وشكًّا، حتى جاء القرآن الكريم مؤكّدًا لها بالتفصيل، فقصص القرآن أحسن القصص.
فتية لم يتخلّوا عن إيمانهم، ولم يخالطوا الحرام وأهله، فأعزّهم الله وأنزل فيهم قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
ناموا على طاعة وثقة بالله ونصره، واستيقظوا على بُشرى رحيل الظلم وأهله.
وخَليقٌ بنا وجَدِيرٌ نحن المحجورين في بيوتنا أن نذكر ونتذاكر قصص أمثال هؤلاء.. متى نستيقظ من سُبات غفلتنا، ونعتبر بما حلّ بنا من مصيبتنا؟! حتى يأتي الله بالفرَج فنخرج من كهوفنا المادية والمعنوية.. وما خاب المؤمن الذي أحسن الظنَّ بالله وتوكّل عليه.

د. ش. أسامة شعبان

arArabic