الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

جامع الفنا كما سمعها كولان/ 5.. حين كانت الساحة تتكلم بلسان أهل مراكش

المراكشية: خاص

لم يكن الباحث الفرنسي جورج س. كولان ينظر إلى ساحة جامع الفنا باعتبارها مجرد فضاء مفتوح في قلب المدينة، بل كان يراها معجما حيا تتحرك مفرداته مع حركة الناس. ففي هذه الساحة، كانت اللغة تخرج من صفحات الكتب لتستقر على ألسنة الباعة والحرفيين والحمالين والرواة والمتسوقين، مشكلة مشهدا لغويا فريدا يعكس نبض مراكش في النصف الأول من القرن العشرين.


كان النهار يبدأ بمناداة الباعة، حيث تتردد كلمات مثل الرحبة والسويقة والحانوت والفندق والقيسارية، وهي مفردات ارتبطت بحركة التجارة داخل المدينة العتيقة. وكان كل فضاء يحمل لغته الخاصة؛ فالتاجر يتحدث بلغة البيع والشراء، والصانع بمصطلحات الحرفة، والزبون بمفردات المساومة التي أصبحت جزءا من الثقافة الشعبية.
ومن أكثر الكلمات حضورا في هذا العالم كلمة السمسار، الذي يتوسط بين البائع والمشتري، والدلال الذي يقود المزاد، والميزان والرطل والوقية، وهي ألفاظ كانت جزءا من الحياة التجارية اليومية قبل انتشار المقاييس الحديثة. وكانت عبارات مثل زيد شوية ودير المعقول وآخر ثمن تتردد باستمرار، معبرة عن ثقافة التفاوض التي تميز الأسواق المغربية.
وفي محيط الساحة، وثق كولان مفردات المهن التي كانت تمنح جامع الفنا شخصيتها الخاصة؛ من السقاء الذي يحمل الماء في قربته الجلدية، إلى الحمال الذي ينقل البضائع على ظهره، والعطار الذي يبيع الأعشاب والتوابل، والحداد والنجار والخراز والنحاس، وهي مهن شكلت جزءا من المشهد الاقتصادي والاجتماعي للمدينة.
أما العلاقات الإنسانية، فكانت لها لغة خاصة لا تقل ثراء عن لغة التجارة. فقد سجل كولان كلمات مثل النية للدلالة على صفاء القلب، والمعقول باعتباره معيارا للسلوك المقبول، والخاطر الذي يعبر عن الاعتبار والكرامة، والحشومة التي تلخص منظومة كاملة من القيم الاجتماعية. ولم تكن هذه الكلمات مجرد ألفاظ متداولة، بل كانت قواعد غير مكتوبة تنظم علاقة الناس بعضهم ببعض داخل الأسواق والأحياء.
وكانت الساحة أيضا فضاء تتقاطع فيه أصوات الحكواتيين والمنشدين والعازفين مع نداءات الباعة، فتتشكل لغة غنية بالأمثال والأقوال الشعبية وعبارات النداء والاستمالة والدعاء، وهي جميعها عناصر حرص كولان على توثيقها باعتبارها جزءا من التراث الشفهي المغربي.
ولذلك، فإن معجم كولان لا يقدم للقارئ مجرد معاني الكلمات، بل يعيد بناء صورة لمراكش وهي تتحدث بلغتها اليومية. فكل لفظة تقود إلى حرفة، وكل تعبير يفتح بابا على عادة اجتماعية، وكل كلمة تحمل أثرا من ذاكرة جامع الفنا، التي ظلت لعقود مدرسة مفتوحة للغة الشعبية المغربية، ومسرحا حيا لتفاعل الإنسان المراكشي مع محيطه.

arArabic