المراكشية: إعداد القسم الثقافي
قبل التلفزيون والسينما والهاتف والإنترنت، كان رجل واحد قادراً على أن يجعل عشرات الأشخاص يتوقفون في قلب جامع الفنا، ويشكلوا حوله دائرة من الصمت والإنصات. لم يكن يحتاج إلى منصة أو ستارة أو مكبر للصوت؛ كان يقف وسط الساحة، يبدأ الكلام، وتبدأ معه الحكاية.

تلك هي «الحلقة»، أحد أقدم وأبرز أشكال الفرجة الشعبية التي ارتبطت بجامع الفنا، والتي جعلت الساحة أكثر من مجرد فضاء للتجارة والعبور. كانت مكاناً يجتمع فيه الناس للاستماع والمشاهدة والضحك وتبادل الحكايات، وكان الحكواتي أحد أهم صناع هذا العالم.
وتصف اليونسكو جامع الفنا بأنها فضاء ثقافي وتاريخي للقاء، تتعايش فيه أنشطة تجارية يومية مع أشكال متعددة من التعبير الشفهي والفنون الأدائية، من بينها الحكاية والموسيقى والشعر والعروض الشعبية.
لم تكن الحلقة مسرحاً بالمعنى المعروف. لم يكن هناك حاجز بين الفنان والجمهور، ولا مقاعد مرقمة، ولا وقت محدد لبداية العرض ونهايته. كان الحكواتي وسط الناس، والجمهور يحيط به، ويمكن للدائرة أن تكبر كلما نجح في جذب مزيد من المستمعين، ثم تتفكك بعد انتهاء الحكاية لتتشكل حلقة أخرى في مكان آخر.
وهذا ما أعطى جامع الفنا خصوصيتها. فالعرض لم يكن منفصلاً عن الحياة اليومية، والجمهور لم يكن مجرد متفرج. كان جزءاً من الفرجة نفسها.
كان الحكواتي يحتاج إلى أكثر من حفظ القصة. كان عليه أن يعرف كيف يستعمل صوته، ومتى يرفع نبرته، ومتى يتوقف، وكيف يوظف الحركة والإشارة والتعبير لجذب المستمعين. والحكاية نفسها لم تكن نصاً جامداً؛ فقد يعيد الراوي صياغتها أو يضيف إليها أو يختصر منها بحسب الجمهور والظرف.
وتشرح اليونسكو أن الرواة في جامع الفنا كانوا يجددون التعبيرات الشفوية باستمرار، ويمزجون الكلام بالإشارة والحركة، ويكيفون أداءهم مع السياق والجمهور، وهو ما جعل هذا الفن قابلاً للاستمرار والتجدد بدل أن يتحول إلى نص محفوظ لا يتغير.
الحكاية كذاكرة شعبية
لم تكن الحكايات مجرد وسيلة للتسلية. كانت تحمل معها قيماً وتجارب وصوراً عن المجتمع، وتتناقلها الأجيال من خلال السماع.
وفي جامع الفنا، ارتبط الحكواتي بحكايات شعبية وسير وأبطال ومغامرات وحكايات متوارثة، كما عرف المكان عروضاً شفهية مختلفة بالدارجة والأمازيغية، إلى جانب الموسيقى والشعر وغيرها من أشكال التعبير الشعبي. وتوثق اليونسكو هذا التنوع باعتباره جزءاً من الفضاء الثقافي للساحة.
كان ذلك يحدث في فضاء مفتوح، حيث يمكن للتاجر والعامل والطفل والشيخ وعابر السبيل أن يجلسوا جنباً إلى جنب للاستماع إلى القصة نفسها.
وبذلك كانت الحلقة تؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز الفرجة: إنها تجمع أشخاصاً مختلفين حول رواية مشتركة، وتخلق لحظة من الإنصات الجماعي في فضاء عام.
وهذه الخاصية هي التي تجعل تاريخ جامع الفنا مختلفاً عن تاريخ كثير من الساحات الأخرى. فالمكان لم يحتفظ بقيمته بسبب مبنى تاريخي قائم في وسطه، وإنما بسبب الممارسات التي ظلت تتجدد داخله.
من الحلقة القديمة إلى جامع الفنا اليوم
مع مرور الزمن، تغيرت مراكش وتغير معها جمهور الساحة. دخلت السياحة الحديثة، وانتشرت وسائل الإعلام، ثم جاءت الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت الحكاية تنافس وسائل ترفيه لا حصر لها.
ولذلك تراجعت مكانة الحكواتي مقارنة بما كانت عليه في الماضي.
وتشير المعطيات المستجدة إلى أن فن الحكاية في المغرب واجه خلال العقود الأخيرة تراجعاً بسبب تغير أنماط الترفيه وتقدم التكنولوجيا، مع محاولات جديدة لإحيائه من خلال مهرجانات ومبادرات ثقافية، بينها مهرجان للحكاية في مراكش يسعى إلى إعطاء هذا الفن حياة جديدة وجذب جيل أصغر من الرواة والجمهور.
المفارقة أن جامع الفنا أصبحت اليوم أكثر شهرة في العالم من أي وقت مضى، بينما تراجعت بعض الممارسات التي صنعت جزءاً كبيراً من شهرتها.
السائح يأتي إلى الساحة بحثاً عن الصورة التي يعرفها مسبقاً: المطاعم، الموسيقى، العروض والحركة. لكن الحكواتي الذي كان في الماضي أحد أبرز عناصر المشهد أصبح أقل حضوراً.
وهنا يُطرح سؤالاً لا يتعلق بالماضي وحده:
هل يكفي أن نحافظ على شكل جامع الفنا، أم أن الحفاظ الحقيقي عليها يقتضي الحفاظ على الثقافة التي كانت تجعل الساحة حية؟
فالتراث غير المادي لا يمكن وضعه داخل صندوق أو خلف زجاج. لا يمكن الحفاظ على الحلقة من دون حكواتي، ولا على الحكاية من دون جمهور، ولا على الحكواتي من دون لغة وفضاء يسمحان له بأن يخاطب الناس.
ولهذا اكتسبت جامع الفنا مكانتها الدولية ليس فقط باعتبارها ساحة تاريخية، وإنما باعتبارها فضاءً حياً للتعبير الشفهي. وقد اعترفت اليونسكو بقيمتها سنة 2001، قبل إدراج فضائها الثقافي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية سنة 2008.
لكن الاعتراف الدولي لا يعني أن التراث أصبح محصناً من التراجع.
فالحكاية التي كانت تنتقل من فم إلى أذن تواجه اليوم عالماً تنتقل فيه القصص من شاشة إلى شاشة في ثوانٍ. والراوي الذي كان يحتاج إلى جمهور يتجمع حوله أصبح يعيش في زمن يستطيع فيه كل شخص أن يحمل آلاف القصص في هاتفه.
ومع ذلك، لم تختف الحكاية تماماً.
فمبادرات حديثة تحاول إعادة تقديم فن الحكواتي إلى الأجيال الجديدة، ليس باعتباره قطعة من الماضي، وإنما فناً قابلاً للتجدد. وفي السنوات الأخيرة ظهرت في مراكش مبادرات ومهرجانات تجمع رواة مغاربة وأجانب، وتقدم الحكاية أمام جمهور جديد، في محاولة لإعادة الاعتبار لفن ظل لقرون جزءاً من الحياة الثقافية للمدينة.
وهنا تكمن قوة جامع الفنا: أنها لم تكن في يوم من الأيام مكاناً ثابتاً.
إنها ساحة تتغير مع الناس الذين يدخلون إليها.
تتغير تجارتها، وتتغير عروضها، ويتغير جمهورها، لكن فكرة الحلقة ظلت تختصر شيئاً عميقاً في شخصية مراكش: أن يجتمع الناس في مكان واحد، ويستمعوا إلى شخص واحد، ويعيشوا الحكاية معاً.
وربما لهذا السبب لا تزال صورة الحكواتي، حتى وهو يتراجع، حاضرة بقوة في ذاكرة جامع الفنا.
فالرجل الذي كان يقف وسط الساحة لم يكن يقدم مجرد قصة، كان يحمل ذاكرة، وكلما تشكلت حوله حلقة، كانت مراكش القديمة تعود للحظة واحدة إلى الحياة.