مراكش الموحدية.. مدينة بناها المهاجرون؟
تفتتح «المراكشية» بهذه المادة سلسلة من المقالات التاريخية التي تستعيد جوانب من تاريخ مراكش في العصر الموحدي، اعتماداً على أطروحة «المغرب في عهد الموحدين» للأستاذ محمد رابطة الدين، مع إعادة تقديم مادتها، بتصرف، في قالب صحفي يطرح أسئلة حول التحولات السكانية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها المدينة عندما كانت عاصمة لإمبراطورية امتد نفوذها على مجال جغرافي واسع.

وفي أولى حلقات هذه السلسلة، نطرح سؤالاً يبدو أساسياً لفهم التحول الكبير الذي عرفته مراكش آنذاك: كيف صنعت الهجرة مراكش الموحدية؟ وهل كان نمو سكان العاصمة نتيجة التكاثر الطبيعي لأهلها، أم أن استقدام القبائل وتوافد الجماعات والأسر من مناطق مختلفة كان العامل الحاسم في تضخمها وتحولها إلى واحدة من كبريات حواضر الغرب الإسلامي؟
تكشف المعطيات التي تجمعها الأطروحة أن مراكش لم تنمُ ديمغرافياً اعتماداً على سكانها الموجودين داخل أسوارها فقط، بل تحولت، بحكم وظيفتها السياسية واتساع المجال الخاضع للموحدين، إلى مركز قوي لجذب السكان. وتشير الدراسة بوضوح إلى أن المدينة أصبحت مركز استقبال لـ«حركة هجرة كثيفة»، وأن نسبة مهمة من الوافدين عليها، أفراداً وجماعات، اختارت الاستقرار الدائم فيها، إلى درجة أن الهجرة لم تكن مجرد عنصر إضافي يغذي سكان العاصمة، بل أحد المكونات الرئيسية لتركيبتها البشرية.
ويبدو أن هذه الحركة لم تكن عفوية بالكامل. فالعاصمة الجديدة للدولة الموحدية كانت في حاجة إلى قاعدة بشرية تضمن استمرار وظائفها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهو ما جعل الولاء السياسي والحضور البشري الكثيف المنتج للقوة عنصرين مهمين في تشكيل سكانها. وتورد الدراسة ضمن المجموعات التي دخلت مراكش أهل تنمل وهنتاتة وصنهاجة وهسكورة، إلى جانب «عبيد المخزن والقبائل»، مع الإشارة إلى أن مكونات قبلية أخرى كانت حاضرة أيضاً.
ولعل المثال الأكثر إثارة يتمثل في قبيلة كومية الزناتية التي دخلت مراكش واستوطنتها سنة 557هـ/1162م. وتنقل الأطروحة عن ابن أبي زرع رقماً يصل إلى 40 ألف فارس، وهو رقم لا تقتصر أهميته على حجمه، بل على طبيعة من يشملهم؛ فالحديث هنا عن رجال بالغين قادرين على حمل السلاح والإنتاج، ما يجعل استقرار هذه المجموعة حدثاً ديمغرافياً وسياسياً كبيراً في تاريخ العاصمة.
ولم تقتصر حركة الوافدين على القبائل القادمة في إطار التحولات السياسية والعسكرية، بل اتسعت جغرافية الهجرة نحو مراكش لتشمل جماعات وأسرًا وأفرادًا من المغرب الأوسط وإفريقية والأندلس وغيرها، وهو ما جعل العاصمة فضاءً بشرياً متنوعاً تتقاطع داخله أصول جغرافية وثقافية مختلفة.
بل إن أسماء بعض أحياء مراكش القديمة احتفظت، بحسب الأطروحة، بجزء من آثار هذه الخريطة البشرية. وتشير الدراسة، على سبيل المثال، إلى حومة السبتيين ضمن المؤشرات التي تكشف كثافة الهجرة، إلى جانب حضور كومية وصنهاجة وهسكورة، وربط ذلك أيضاً بالأسباب التي دفعت إلى توسيع المجال السكني للمدينة.
وهنا تتحول الهجرة من مجرد حركة بشرية إلى عامل يعيد تشكيل المدينة نفسها.
فمع استمرار النمو الديمغرافي وتدفق السكان نحو العاصمة، بدأت القدرة السكنية لمراكش تضيق. وتذهب الأطروحة إلى أن النمو الطبيعي للسكان وأهمية الحركة البشرية المتجهة نحو المدينة ساهما معاً في بلوغ الطاقة الاستيعابية للسكن درجة من التشبع. وبعد ترحيل صنهاجة وهسكورة إلى مراكش وتوطينهما بها في أواخر عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف، أصبح من الضروري توسيع المجال الحضري في اتجاه الجنوب الغربي وإعداد فضاء سكني جديد لاستيعاب السكان.
وبذلك لم يكن المهاجرون مجرد سكان جدد دخلوا مدينة قائمة، بل ساهم وجودهم في دفع حدود مراكش إلى الخارج وفي إعادة توزيع سكانها وأحيائها.
لكن هل يعني ذلك أن الهجرة وحدها صنعت النمو السكاني؟
المادة التي تقدمها الأطروحة لا تسمح بهذا الاستنتاج المطلق، إذ تضع إلى جانب كثافة الهجرة عاملاً ثانياً هو التزايد الطبيعي للسكان. فقد ساهم تكوين الأسر وانتشار الزواج، بما في ذلك الزواج في سن مبكرة، في رفع إمكانات الإنجاب، وتشير الحالات التي درستها الأطروحة إلى وجود أسر تضم ثلاثة أبناء أو أكثر، بما يسمح بافتراض مساهمة معتبرة للمواليد في النمو الديمغرافي للمدينة.
كما ساعد الاستقرار السياسي النسبي خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي على توفير بيئة ملائمة لهذا النمو. فالفترة، وفق الدراسة، لم تعرف داخل مراكش أحداثاً واسعة من التخريب والنهب والتدمير، كما كانت الأزمات الاقتصادية والبيئية أقل حدة مما ستعرفه المدينة خلال القرن التالي، وهو ما ساعد على الحفاظ على رصيدها البشري وشجع على استقرار الأسر والزواج والإنجاب.
ومع ذلك، تبقى الهجرة عنصراً يصعب تجاهله عند محاولة تفسير السرعة التي تحولت بها مراكش إلى تجمع بشري ضخم. فحين تصبح عاصمة دولة واسعة، ومقراً للسلطة والجيش والإدارة والعلم والتجارة، فإنها لا تنتظر فقط أن يتكاثر سكانها داخل الأسوار، بل تستقطب باستمرار سكاناً جدداً يحتاج إليهم مركز الحكم أو تجذبهم الفرص التي تتيحها العاصمة.
لقد جذبت العاصمة الناس لأنها كانت مركز السلطة، ثم دفع هؤلاء الوافدون بدورهم إلى توسيع المدينة وإعادة تشكيل أحيائها ونسيجها الاجتماعي.
وبذلك لم تكن مراكش في العصر الموحدي عاصمة سياسية فحسب، بل كانت أيضاً مدينة هجرة؛ مدينة استقبلت البشر من مجالات مختلفة، واستوعبتهم، ثم تغيرت بهم.
المصدر: أطروحة «المغرب في عهد الموحدين» للأستاذ محمد رابطة الدين، بتصرف.