مراكش: إعداد المراكشية
بدأت ملامح معركة تشكيل الحكومة المقبلة في الظهور بعد ساعات من إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، وسط مواقف متباينة لقادة الأحزاب بين الانفتاح على مختلف سيناريوهات التحالف من جهة، والتمسك بخيارات سياسية مسبقة من جهة أخرى، في وقت تفرض فيه الخريطة الجديدة لمجلس النواب على الحزب المتصدر البحث عن شركاء لتأمين أغلبية برلمانية لا تقل عن 198 مقعدا.

وكان الموقف الأكثر انفتاحا هو الذي عبرت عنه فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر النتائج المؤقتة بـ97 مقعدا، إذ أكدت، خلال ندوة صحافية الخميس 24 شتنبر، أن حزبها «لا يؤمن بالخطوط الحمراء» في التحالفات، وأنه يحترم مختلف الأحزاب ولا يرفض الجلوس مع أي منها، موضحة أن الحسم في التحالفات سيتم داخل مؤسسات الحزب. كما شددت على أن تعيين رئيس الحكومة يبقى اختصاصا ملكيا وفقا للدستور.
الأصالة والمعاصرة يعلن انفتاحه على الجميع، والعدالة والتنمية يضع، عبر موقف أمينه العام، «البام» خارج دائرة تحالفه الحكومي، بينما تترك قوى أخرى أبوابها مفتوحة في انتظار المشاورات الرسمية. أما التركيبة النهائية للحكومة، فلا يمكن حسمها بمجرد جمع المقاعد، إذ ستتوقف على تعيين رئيس الحكومة والمفاوضات التي سيجريها مع الأحزاب، وعلى القرارات التي ستتخذها المؤسسات التقريرية لكل حزب.
غير أن هذا الانفتاح الذي أبدته المنصوري اصطدم سريعا بموقف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي استبعد مشاركة حزبه في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، مرجحا استمرار «المصباح» في المعارضة. وأوضح بنكيران أن القرار المؤسساتي النهائي يعود إلى المجلس الوطني للحزب، المرتقب اجتماعه السبت، لكن موقفه الشخصي كان واضحا في رفض المشاركة في حكومة يرأسها «البام».
وتكتسي هذه المواقف أهمية خاصة بالنظر إلى الحساب البرلماني الذي أفرزته صناديق الاقتراع. فحسب النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، حصل الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدا، والتجمع الوطني للأحرار على 66، والاستقلال على 65، والعدالة والتنمية على 54، والحركة الشعبية على 29، والاتحاد الاشتراكي على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، والاتحاد الدستوري على 17، فيما توزعت المقاعد المتبقية على أحزاب أخرى.
وبالأرقام، لا يستطيع «البام» تشكيل أغلبية بمفرده، إذ تفصله 101 مقاعد عن عتبة 198 مقعدا. ومن ثم فإن ضم الاستقلال وحده، مثلا، يرفع المجموع إلى 162 مقعدا فقط، كما أن التحالف مع التجمع الوطني للأحرار وحده يمنح الطرفين 163 مقعدا، ما يعني الحاجة في الحالتين إلى شريك أو شركاء إضافيين.
ويبرز حسابيا احتمال إعادة تشكيل تحالف يضم الأحزاب الثلاثة التي أدارت الحكومة المنتهية ولايتها، ولكن هذه المرة تحت صدارة «البام»: الأصالة والمعاصرة (97) والتجمع الوطني للأحرار (66) والاستقلال (65)، بمجموع 228 مقعدا. غير أن توفر الأغلبية العددية لا يعني أن هذا السيناريو أصبح اتفاقا سياسيا؛ فالتحالفات الفعلية لن تتحدد إلا بعد تعيين رئيس الحكومة وانطلاق المشاورات الرسمية. وقد أعادت المنصوري الخميس فتح الباب أمام مختلف الأحزاب، بما فيها التجمع الوطني للأحرار، بعدما كانت العلاقة بين الحزبين قد شهدت توترا خلال الفترة السابقة للانتخابات.
ويظل حزب الاستقلال، صاحب 65 مقعدا، رقما مهما في معادلة الأغلبية. أمينه العام نزار بركة تجنب استباق المشاورات، وقال إن المرحلة التالية للانتخابات تستدعي «الخروج من منطق التنافس الانتخابي» والتركيز على انتظارات المواطنين، مؤكدا أن الاستقلال سيواصل العمل «أينما كان موقعه»، وهو موقف يترك خيارات الحزب مفتوحة إلى حين اتضاح مسار تشكيل الأغلبية.
أما العدالة والتنمية، الذي عاد إلى الواجهة البرلمانية بـ54 مقعدا بعدما كان يتوفر على 13 مقعدا في المجلس السابق، فيبدو، وفق الموقف الذي أعلنه بنكيران، أقرب إلى المعارضة إذا تشكلت حكومة بقيادة الأصالة والمعاصرة. وإذا صادق المجلس الوطني للحزب على هذا التوجه، فإن أحد السيناريوهات العددية الممكنة لتكوين الأغلبية سيصبح قائما على جمع «البام» مع حزبين أو أكثر من باقي القوى البرلمانية.
ومن جهته، دعا محمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية، التي حصلت على 29 مقعدا، إلى استخلاص الدروس من نتائج الانتخابات ومواصلة ما وصفه بـ«الدينامية الجديدة» للحزب، معتبرا أن التحدي لا يقتصر على تدبير نتائج الاقتراع وإنما يشمل استعادة ثقة الكتلة الناخبة التي لم تشارك. ولم يحسم أوزين، في التصريح المنشور عقب النتائج، موقع الحركة من الحكومة المقبلة.
وتأتي هذه النقاشات في سياق انتخابي اتسم أيضا بضعف المشاركة، إذ بلغت، بحسب وزارة الداخلية، 38.02 في المائة، وهي نسبة تجعل قضية استعادة الثقة والمشاركة السياسية حاضرة في تصريحات عدد من القيادات الحزبية بالتوازي مع حسابات الأغلبية والمعارضة.
وينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، وهو ما يضع حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر بـ97 مقعدا وفق النتائج المؤقتة، في قلب المرحلة السياسية التالية للانتخابات.