الصفحة الرئيسيةمراكش الذاكرة

200 ألف نسمة.. كيف كان حجم مراكش في عهد الموحدين

مراكش: إعداد المراكشية
تواصل «المراكشية» سلسلة مقالاتها التاريخية المستمدة من أطروحة «المغرب في عهد الموحدين» للأستاذ محمد رابطة الدين، من خلال إعادة تقديم مادتها، بتصرف، يرصد التحولات السكانية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها مراكش عندما كانت عاصمة للدولة الموحدية.

وتشير الأطروحة إلى أن مراكش عرفت خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي نمواً ديمغرافياً كبيراً، مع ترجيح اقتراب عدد سكانها من 200 ألف نسمة. وهو تقدير يستند إلى مجموعة من المؤشرات البشرية والعمرانية والاقتصادية.

ومن أبرز المؤشرات العددية التي تستند إليها الدراسة استقرار قبيلة كومية الزناتية بمراكش سنة 557هـ/1162م، إذ نقل ابن أبي زرع رقماً يبلغ 40 ألف فارس. وتكتسب هذه الإحصائية أهمية خاصة لكونها تتعلق، بحسب قراءة الأطروحة، بالرجال البالغين القادرين على الإنتاج وحمل السلاح، وليس بمجموع أفراد المجموعة البشرية التي استقرت بالعاصمة.

وإلى جانب كومية، استقبلت مراكش مجموعات بشرية أخرى، من بينها أهل تنمل وهنتاتة وصنهاجة وهسكورة، فضلاً عن عبيد المخزن والقبائل، إلى جانب أسر وأفراد قدموا من المغرب الأوسط وإفريقية والأندلس ومجالات أخرى. وساهم هذا التدفق البشري في جعل الهجرة أحد المكونات الرئيسية للنمو الديمغرافي للعاصمة الموحدية.

وتعزز المؤشرات العمرانية فرضية وجود كتلة سكانية كبيرة داخل مراكش. فقد أدى النمو الديمغرافي وتواصل حركة السكان في اتجاه العاصمة إلى تضييق قدرتها على استيعاب الوافدين، ووصل الضغط على السكن إلى درجة استدعت توسيع المجال الحضري. وبعد توطين صنهاجة وهسكورة في أواخر عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف، توسعت المدينة في اتجاه الجنوب الغربي وأُعد مجال سكني جديد لاستعادة التوازن بين السكان والسكن.

ويكتسب هذا التوسع دلالة أكبر بالنظر إلى أن المساحة الإجمالية للمدينة داخل الأسوار المرابطية كانت تبلغ آنذاك نحو 606 هكتارات. فالحاجة إلى تجاوز هذا المجال وإضافة فضاءات جديدة للسكن تعكس مستوى الضغط الديمغرافي الذي بلغته العاصمة.

كما ارتبط ارتفاع عدد السكان بحركة عمرانية وإنتاجية واسعة، شملت تشييد المنشآت الدينية والقصور والمرافق والأسواق وتوسيع المجالات السكنية، بالتوازي مع نمو المساحات الزراعية المسقية المحيطة بمراكش. وهي مؤشرات تعتمد عليها الدراسة لقراءة حجم الطاقة البشرية التي كانت تحتاج إلى السكن والغذاء والعمل والخدمات.

وساعد الاستقرار السياسي الذي ميز جانباً مهماً من القرن السادس الهجري على استمرار هذا النمو. فقد كانت مراكش خلال هذه المرحلة أقل تعرضاً لأحداث التخريب والنهب وللأزمات الاقتصادية والطبيعية مقارنة بما ستعرفه خلال القرن السابع الهجري، وهو ما ساهم في الحفاظ على رصيدها البشري وتوفير ظروف ملائمة لتكوين الأسر والإنجاب.

ولذلك تجمع الأطروحة بين عاملين رئيسيين في تفسير الارتفاع الكبير لعدد السكان: الهجرة الكثيفة نحو العاصمة والتزايد الطبيعي لسكانها. فقد استقر جزء مهم من الوافدين بصورة دائمة، بينما ساهم الزواج وتكوين الأسر والمواليد في توسيع القاعدة البشرية للمدينة.

وهكذا لم يكن التحول الذي عرفته مراكش في القرن السادس الهجري عمرانياً وسياسياً فقط، بل كان أيضاً تحولاً ديمغرافياً عميقاً، جعل من العاصمة الموحدية واحدة من التجمعات الحضرية الكبرى في الغرب الإسلامي آنذاك.

المصدر: أطروحة «المغرب في عهد الموحدين» للأستاذ محمد رابطة الدين، بتصرف.

arArabic