مقال تحليلي / خاص بالمراكشية
في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز خطاب الرئيس الأمريكي Donald Trump كعنصر مركزي في تشكيل الرأي العام، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. غير أن المتتبعين يلاحظون مفارقة واضحة بين ما يُعلن من “انتصارات” في الإعلام، وبين الوقائع الميدانية التي تعكس حرب استنزاف معقدة، بعيدة عن الحسم السريع الذي يروّج له الخطاب الرسمي.

تعتمد هذه “الانتصارات الكلامية” على تكتيك سياسي معروف، يقوم على تضخيم المكاسب المحدودة أو العمليات الجزئية، وتقديمها كتحولات استراتيجية كبرى. فالإدارة الأمريكية، بقيادة ترامب، تميل إلى إعلان نجاحات سريعة في ضربات عسكرية أو تحركات دبلوماسية، في حين أن طبيعة المواجهة مع إيران—كقوة إقليمية تعتمد على حرب غير تقليدية وشبكات نفوذ واسعة—تجعل من الصعب تحقيق نصر حاسم بالمعايير الكلاسيكية.
من جهة أخرى، يدرك ترامب أن المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن الميدان، خصوصاً في سياق داخلي حساس تحكمه حسابات الانتخابات والضغط السياسي. لذلك، فإن تقديم صورة “القائد المنتصر” يصبح أداة لتثبيت الشرعية وتعزيز الشعبية، حتى وإن كانت الوقائع على الأرض تشير إلى توازن هش أو حتى تعثر استراتيجي. لكن هذا النهج يحمل في طياته مخاطر كبيرة، أبرزها فقدان المصداقية في حال تكشّفت الفجوة بين الخطاب والواقع.
مخاطر “الانتصار الوهمي”
تكمن الخطورة في أن الإفراط في إعلان الانتصارات قد يضع الرئيس في زاوية حرجة إذا ما تم توقيف الحرب دون تحقيق أهداف واضحة. ففي هذه الحالة، قد يُفسَّر التراجع أو التهدئة على أنه اعتراف ضمني بالفشل، ما يفتح الباب أمام خصومه السياسيين لتصويره كرئيس بالغ في الوعود ولم يفِ بها. كما أن الحلفاء قد يعيدون تقييم ثقتهم في القيادة الأمريكية إذا شعروا بأن الخطاب لا يعكس حقيقة الميدان.
إضافة إلى ذلك، فإن إيران نفسها تستفيد من هذا التناقض، إذ يمكنها توظيفه دعائياً لإظهار الولايات المتحدة كقوة عاجزة عن فرض إرادتها رغم تفوقها العسكري، وهو ما يعزز سرديتها في المنطقة.
كيف يمكن تفادي “الإهانة السياسية”؟
لتفادي سيناريو محرج في حال إنهاء الحرب، يمكن لترامب اعتماد عدة مقاربات:
أولاً، إعادة تعريف مفهوم النصر، عبر الانتقال من خطاب “الحسم العسكري” إلى خطاب “تحقيق الأهداف الاستراتيجية”، مثل احتواء النفوذ الإيراني أو فرض شروط تفاوضية جديدة. هذا التحول يسمح بتقديم التهدئة كإنجاز، لا كتراجع.
ثانياً، التمهيد التدريجي للرأي العام، من خلال تخفيف حدة الخطاب الانتصاري والاعتراف بتعقيدات الصراع، ما يخلق توقعات أكثر واقعية ويقلل من صدمة أي تسوية محتملة.
ثالثاً، اللجوء إلى إنجاز دبلوماسي موازٍ، كإعلان اتفاق أو تفاهم—حتى وإن كان محدوداً—يمكن تسويقه كاختراق تاريخي، يعوّض غياب النصر العسكري المباشر.
رابعاً، تقاسم المسؤولية مع الحلفاء، عبر تقديم أي قرار بوقف الحرب على أنه نتيجة تشاور دولي أو ضغط جماعي، وليس قراراً أحادياً يعكس ضعفاً.
خلاصة
في النهاية، تكشف حالة الخطاب الأمريكي الحالي عن فجوة متنامية بين “النصر الإعلامي” وواقع الميدان. وبينما قد تنجح هذه الاستراتيجية على المدى القصير في إدارة الرأي العام، فإن استمرارها دون نتائج ملموسة قد يحوّلها إلى عبء سياسي. لذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام Donald Trump ليس فقط في إدارة الحرب، بل في إدارة توقعات الداخل والخارج، بما يحفظ ماء الوجه ويجنب السقوط في فخ “الإهانة السياسية” عند لحظة الحسم.