المراكشية: القسم الثقافي
في الحلقتين السابقتين من «ذاكرة مراكش»، دخلنا إلى مراكش من بوابة الرحالة الأوروبيين، وتوقفنا عند شهادة الجغرافي والمستكشف النمساوي أوسكار لينز، الذي زار المدينة سنة 1880، في رحلة علمية قادته عبر المغرب والصحراء وصولاً إلى تمبكتو.
، يوضح لينز أن مراكش كانت تعرف سوقين أسبوعيين: سوق الخميس، وسوق الجمعة في جامع الفنا، مؤكداً أن التجارة كانت قائمة في الساحة خلال بقية أيام الأسبوع أيضاً، لكن الجمعة كانت يوم السوق الرئيسي.
لكن لينز لم ينظر إلى جامع الفنا باعتبارها مجرد مكان للفرجة.
وهنا تكمن أهمية شهادته.

ففي الوقت الذي ارتبطت فيه صورة الساحة في الذاكرة الحديثة بالحكواتيين والموسيقيين وباعة الطعام والحلقات الشعبية، تكشف شهادة لينز عن وظيفة أخرى أساسية كانت تؤديها الساحة: السوق والبيع والشراء واللقاء بين سكان المدينة والقادمين من مناطق بعيدة.
الجمعة.. يوم السوق في جامع الفنا
يسجل لينز أن مراكش كانت تعرف سوقين أسبوعيين رئيسيين.
الأول كان سوق الخميس، المعروف بـ «سوق الخميس»، وكان يقام في ساحة كبيرة خارج المدينة.
أما الثاني فكان سوق الجمعة في جامع الفنا.
ويشير الرحالة إلى أن البيع لم يكن يقتصر على يوم الجمعة وحده، إذ كانت التجارة حاضرة في الساحة خلال بقية أيام الأسبوع أيضاً، لكن الجمعة كانت يوم السوق الرئيسي في جامع الفنا،. هو ما يغير كثيراً من الصورة التي يمكن أن نرسمها للساحة قبل أكثر من 140 سنة.
فجامع الفنا لم تكن مكاناً يأتي إليه الناس في المساء بحثاً عن الفرجة فقط؛ كانت جزءاً من الدورة الاقتصادية والاجتماعية اليومية لمراكش.
من أين كان يأتي الناس؟
يذكر لينز أن سوق الخميس، الأكبر من سوق الجمعة، كان يستقطب أشخاصاً من مناطق بعيدة جداً.
كان القادمون يصلون من الشمال والجنوب، ومن المناطق الجبلية، وكان بينهم عدد كبير من أبناء منطقة سوس. وهو ما يجعل أن الساحة لم تكن فضاءً محلياً مغلقاً، بل كانت نقطة التقاء بين المدينة ومحيطها الواسع.
فمراكش، بحكم موقعها، لم تكن مجرد مدينة يعيش فيها سكانها، وإنما مركزاً تجارياً واجتماعياً تتقاطع عنده طرق القادمين من السهول والجبال والجنوب.
وفي هذا المشهد، كانت جامع الفنا واحدة من الأماكن التي تستقبل هذا التدفق البشري.
الساحة التي تبيع وتشتري وتحكي
تظهر شهادة لينز جامع الفنا كفضاء متعدد الوظائف.
هنا يباع الطعام والمنتوجات، وهناك يجتمع الناس، وفي مكان آخر تتشكل حلقات الفرجة.
وهذه الصورة ليست بعيدة تماماً عن جامع الفنا التي نعرفها اليوم.
فالفرق أن السياحة الحديثة أعادت ترتيب وظائف الساحة وأعطت الفرجة موقعاً مركزياً في صورتها الجديدة، بينما كانت التجارة واللقاء اليومي جزءاً أساسياً من وظيفتها القديمة.
وبعبارة أخرى: قبل أن تصبح جامع الفنا واجهة لمراكش أمام العالم، كانت واجهة مراكش أمام نفسها.
كان المراكشي يذهب إليها لقضاء حاجة، أو للبيع والشراء، أو للقاء، أو لمشاهدة الفرجة، فيما يأتي إليها القادم من خارج المدينة باعتبارها إحدى النقاط الطبيعية للحياة التجارية والاجتماعية.
السوق يكشف المدينة
ما يهم في شهادة لينز ليس فقط ما يقوله عن الباعة أو السوق، وإنما ما تكشفه هذه التفاصيل عن مراكش نفسها.
فالمدينة التي يصفها ليست مدينة معزولة، إنها مدينة تستقبل البضائع والناس والأخبار من جهات مختلفة، وتعيد توزيعها داخل أسواقها.
وكان السوق الأسبوعي مناسبة يتجاوز فيها النشاط التجاري حدود البيع والشراء. فالأسواق التقليدية كانت أماكن للقاء والتواصل وتبادل الأخبار، كما كانت فرصة للتعرف على سكان المناطق المختلفة، وعقد العلاقات، ومتابعة ما يحدث خارج أسوار المدينة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ارتبطت جامع الفنا عبر تاريخها بالحركة البشرية أكثر مما ارتبطت بالبناء.
صورة مختلفة عن جامع الفنا
عندما ننظر اليوم إلى الصور القديمة للساحة، قد يلفت انتباهنا اتساعها، وغياب المباني المرتفعة، ووسائل النقل الحديثة، والملابس التقليدية التي يرتديها الناس. تتحول الصورة القديمة من مجرد مشهد بصري إلى وثيقة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
جامع الفنا قبل السياحة .. جامع الفنا لم تُخلق من أجل السياح.
السياحة جاءت لاحقاً، وأعادت اكتشاف المكان وتقديمه إلى العالم، أما الساحة نفسها فقد كانت موجودة في قلب حياة مراكش، يستعملها أهل المدينة والقادمون إليها قبل أن تصبح صورتها جزءاً من الأدلة السياحية والبطاقات البريدية.
ولهذا فإن البحث في تاريخ جامع الفنا لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: متى أصبحت معلماً سياحياً؟
بل بالسؤال الأهم:
ماذا كانت تعني للمراكشي قبل أن يكتشفها السائح؟
وشهادة أوسكار لينز تقدم جزءاً من الجواب:
كانت سوقاً، وملتقى، وفضاءً للحركة والتجارة، ومكاناً تتقاطع فيه مسارات المدينة مع مسارات القادمين من خارجها.
شهادة أوروبية.. وذاكرة مراكشية