المراكشية: نورالدين ايمان
أعاد سؤال صحفي وُجّه إلى فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة العامة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، حول الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها الصلاة إلى جانب الملك محمد السادس في حال تعيينها رئيسة للحكومة، نقاشا بدأ على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه في المقابل اختزل قضية سياسية ودستورية أكبر بكثير في تفصيل بروتوكولي.

قد يكون، السؤال “الفايسبوكي” في حد ذاته، سؤالا مثيرا للفضول لدى البعض. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التفصيل إلى واحد من أكثر المواضيع تداولا في النقاش حول احتمال وصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة، بينما تتراجع إلى الخلف الأسئلة التي يفترض أن تكون أكثر إلحاحا: كيف ستحكم؟ ومع من؟ وبأي برنامج؟ وبأي قدرة على مواجهة أزمات البلاد؟
غير أن أهمية الواقعة لا تكمن في الجواب بقدر ما تكمن في السؤال نفسه، وفي قابلية النقاش العمومي للانجرار وراءه. فبينما يواجه المغرب تحديات في الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية، وبينما أفرزت الانتخابات خريطة سياسية جديدة ومعقدة، وجد جزء من النقاش طريقا أقصر بكثير: أين ستقف المنصوري في الصلاة؟
إن السؤال الحقيقي ليس كيف ستصلي فاطمة الزهراء المنصوري إلى جانب الملك، وإنما ما إذا كانت، في حالة تكليفها، تملك الكفاءة السياسية والتدبيرية لقيادة حكومة المغرب خلال السنوات المقبلة. وهو سؤال مشروع لا علاقة له بكونها امرأة، تماما كما يفترض طرحه على أي رجل مرشح للمنصب.
كان يفترض، مثلا، أن ينصرف النقاش إلى تجربتها في التدبير، وإلى حصيلتها الوزارية والمحلية، وإلى قدرتها على الانتقال من تدبير قطاع وزاري ومدينة بحجم مراكش إلى إدارة جهاز حكومي كامل، في مرحلة ستكون فيها الحكومة مطالبة بأجوبة ملموسة عن المستشفى والمدرسة والشغل والأسعار والاستثمار والحماية الاجتماعية.
وكان يفترض أيضا أن يناقش الرأي العام سؤالا أكثر تعقيدا: مع من ستحكم المنصوري إذا أصبحت رئيسة للحكومة؟
فالنتائج النهائية الرسمية لانتخابات 23 شتنبر منحت الأصالة والمعاصرة الريادة و”الحق” في تشكيل الحكومة غير أن الخريطة لا تمنح الحزب إمكانية الحكم منفردا، وتجعل أول امتحان لرئيس الحكومة المقبل هو بناء أغلبية قادرة ليس فقط على بلوغ العدد المطلوب من المقاعد، وإنما على الاستمرار والانسجام.
إن إعادة جمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال. الأحزاب الثلاثة نفسها التي أدارت الولاية السابقة يمكنها أن تشكل أغلبية جديدة، وإذا عادت الأحزاب نفسها، فما الذي سيتغير؟
إن الخلافات والانتقادات المتبادلة التي ظهرب بين مكونات الأغلبية السابقة أثناء الحملة الانتخابية، تجعل جمعها مجددا حول طاولة مجلس حكومي واحد لن يكون مجرد عملية حسابية بل سيجعل من حق الرأي العام أن يسأل عن البرنامج الذي سيجمعها، وعن الحدود الفاصلة بين الحكومة الجديدة والحكومة التي سبقتها. وسيصبح على القيادة الجديدة أن تشرح لماذا ستنجح التركيبة نفسها هذه المرة في ملفات تعثرت وظلت موضع انتقاد في التجربة المنتهية.
المنصوري أعلنت بالفعل أنه لا توجد، من جانب حزبها، «خطوط حمراء» في التحالفات، وهو ما يبقي الخيارات مفتوحة. لكن فتح الأبواب أمام الجميع لا يجيب وحده عن سؤال أي أغلبية ستكون أكثر انسجاما، ولا عن التنازلات التي ستتطلبها عملية تشكيلها، علما أن في الضفة الأخرى، يبرز امتحان لا يقل صعوبة وهو المعارضة.
إن الحكومة المقبلة قد تواجه معارضة مختلفة عن تلك التي واجهتها حكومة أخنوش، سواء من حيث الحجم أو طبيعة الخطاب السياسي. وسيكون حضور عبد الإله بنكيران في قيادة العدالة والتنمية أحد عناصر هذه المواجهة السياسية، إلى جانب الأصوات اليسارية وبقية الأحزاب التي قد تختار صف المعارضة.
كل هذا كان أولى بالنقاش من مكان وقوف رئيسة الحكومة في الصلاة. فالذي يبحث عن موعد للعلاج في مستشفى عمومي، أو أسرة تواجه تكاليف تمدرس أبنائها، أو شاب يبحث عن أول فرصة عمل، أو مواطن يواجه ارتفاع تكاليف الحياة، لن تتغير أوضاعه باختلاف المكان الذي سيقف فيه رئيس الحكومة أثناء الصلاة.