الصفحة الرئيسيةأخبار

من الخراب إلى النهضة.. 1/ كيف أعاد السعديون رسم ملامح مراكش؟

للمراكشية: د. نورالدين بلحاج

ليست كل الحكايات التي صنعت تاريخ مراكش معروفة لدى سكانها وزوارها. فخلف أسوار المدينة العتيقة ومساجدها وأسواقها وأحيائها الشهيرة، تختبئ قصة واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار والتخطيط الحضري التي عرفها المغرب في القرن السادس عشر، حين تحولت مراكش من مدينة أنهكها التراجع والإهمال إلى عاصمة استعادت بريقها ومكانتها بفضل مشروع عمراني طموح قاده السلطان السعدي عبد الله الغالب بالله.

في هذه السلسلة، المستندة إلى دراسة أكاديمية حديثة اعتمدت على المصادر التاريخية العربية والأوروبية والمعاينات الأثرية، نعود إلى تلك المرحلة المفصلية لاكتشاف كيف أعيد تنظيم أحياء مراكش، وكيف شُيدت منشآت ما تزال شاهدة على ذلك العصر، ولماذا يرى عدد من الباحثين أن الفضل في النهضة العمرانية للمدينة يعود إلى عبد الله الغالب أكثر مما يُنسب عادة إلى السلطان أحمد المنصور.

الحلقة الأولى
حين كانت مراكش مدينة متداعية.. كيف أطلق السلطان عبد الله الغالب أكبر مشروع لإعادة إعمارها؟

لم تكن مراكش في مطلع القرن السادس عشر المدينة المزدهرة التي يعرفها العالم اليوم. فبعد أن كانت عاصمة للمرابطين ثم الموحدين، دخلت مرحلة طويلة من التراجع عقب سقوط الدولتين، حتى أصبحت أحياؤها مهجورة، وتدهورت مرافقها، واندثرت كثير من منشآتها، بينما فقدت مكانتها السياسية والاقتصادية داخل المغرب.

ومع صعود الدولة السعدية واستقرارها في مراكش، بدأت المدينة تستعيد مكانتها تدريجيا، غير أن التحول الحقيقي لم يبدأ إلا مع وصول السلطان عبد الله الغالب بالله إلى الحكم سنة 1557، وهو السلطان الذي يعتبره عدد من الباحثين المهندس الحقيقي لنهضة مراكش العمرانية، رغم أن الشهرة التاريخية ذهبت لاحقا إلى خلفه السلطان أحمد المنصور الذهبي.

مشروع متكامل لتغيير وجه المدينة

تكشف دراسة أكاديمية حديثة للباحث الإسباني إينيغو ألميلا ليغوربورو أن عبد الله الغالب لم يكتف ببناء بعض المنشآت، بل وضع مشروعا عمرانيا متكاملا لإعادة تنظيم مراكش وتجهيزها بمرافق جديدة، مستلهما تجربة مدينة فاس التي كان يعرفها جيدا بعدما تولى إدارتها قبل اعتلائه العرش.

وشمل هذا المشروع إصلاح القصبة، وترميم جامع القصبة بعد تعرضه للتخريب، وإنشاء أحياء جديدة، ونقل الملاح اليهودي إلى موقعه الحالي، وإقامة مرافق تعليمية وصحية، إلى جانب تطوير شبكات المياه والخطارات، وإنجاز منشآت دينية وتجارية شكلت نواة أحياء ما تزال قائمة إلى اليوم.

الاستقرار السياسي كان مفتاح النهضة

ويربط الباحث بين هذا الورش العمراني الضخم وبين الاستقرار الذي عرفه المغرب خلال حكم عبد الله الغالب، إذ نجح السلطان في تجنب الصدامات الكبرى مع القوى الإقليمية آنذاك، سواء الدولة العثمانية أو إسبانيا أو البرتغال، وهو ما وفر ظروفا مناسبة لتوجيه موارد الدولة نحو البناء والتعمير بدل الحروب.

كما أعاد تنظيم الجيش، وعزز علاقة الدولة بالزوايا، واستقبل أعدادا من الموريسكيين القادمين من الأندلس، الذين ساهموا بدورهم في تنشيط الحياة الاقتصادية والحرفية والعمرانية داخل المدينة.

من مدينة متراجعة إلى عاصمة تنبض بالحياة

لم يكن هدف السلطان مجرد تشييد مبان جديدة، بل إعادة إحياء المدينة بأكملها. فقد عمل على تنظيم الأحياء، وتحسين شبكة المياه، وتشييد مؤسسات دينية وتعليمية وخدماتية، بما يجعل مراكش تستعيد دورها كعاصمة للدولة السعدية ومركز سياسي واقتصادي للمغرب.

وتؤكد الدراسة أن كثيرا من المعالم التي ما تزال تميز المدينة العتيقة اليوم تعود جذورها إلى هذا المشروع العمراني الكبير، الذي وضع أسس مراكش الحديثة قبل أكثر من أربعة قرون.

ملحوظة: استندت هذه السلسلة أساسا إلى الدراسة العلمية «العمارة الدينية كأداة للتجديد الحضري: مجمعان دينيان من العصر السعدي بمراكش» للباحث إينيغو ألميلا (Íñigo Almela)، وهي دراسة أُنجزت في إطار مشروع بحث ممول من وزارة الاقتصاد الإسبانية وصندوق الاتحاد الأوروبي، وأشرف عليها الدكتور أنطونيو الماغرو من معهد الدراسات العربية بغرناطة. وتعتمد النسخة العربية على ترجمة ومراجعة وتحيين للدراسة الأصلية المنشورة سنة 2019 في مجلة Al-Masāq، مع مراجعة لغوية للدكتورة شرين سامي، وقراءة علمية للأستاذ سمير أيت أومغار.

arArabic