الصفحة الرئيسيةأخبار

تفاصيل جامع الفنا التي لا تحفظها الذاكرة الرسمية .. 2/ ماذا رأى “أوسكار لينز” في جامع الفنا قبل 146 سنة؟

إعداد القسم الثقافي للمراكشية

في الحلقة الأولى من «ذاكرة مراكش»، فتحنا الباب على عالم الرحالة الغربيين الذين حاولوا تسجيل صورة مراكش قبل أن تصبح المدينة وجهة سياحية عالمية.

 ماذا رأى أوسكار لينز في جامع الفنا؟

في هذه الحلقة، ندخل مباشرة إلى واحدة من أقدم الشهادات الأوروبية التي تصف جامع الفنا من الداخل، كما عاشها رحالة أوروبي في نهاية القرن التاسع عشر.
إنه أوسكار لينز (Oskar Lenz)، الجغرافي والجيولوجي والمستكشف الذي قام بين سنتي 1879 و1880 برحلة طويلة عبر المغرب، قبل أن يواصل طريقه جنوباً نحو الصحراء وتومبوكتو. وقد وصل إلى مراكش يوم 14 فبراير 1880، وأقام فيها إلى غاية 6 مارس من السنة نفسها، قبل أن يغادرها باتجاه الأطلس. وقد صدر الجزء الفرنسي من رحلته بعنوان «Timbouctou, voyage au Maroc, au Sahara et au Soudan» سنة 1886، بينما صدر الأصل الألماني في وقت سابق. 
الوصول إلى مراكش.. بعد رحلة طويلة
لم تكن مراكش بالنسبة إلى لينز مجرد محطة في رحلة جغرافية. فقد قطع مسافة طويلة للوصول إليها، وعندما اقترب من المدينة، وجد نفسه أمام مشهد طبيعي مختلف: السهل الممتد، جبال الأطلس المغطاة بالثلوج، ثم بساتين النخيل التي وصفها بأنها تمتد على مساحات هائلة.
ويكتب أنه بعد بلوغ الأسوار، لم يكن الوصول إلى قلب المدينة سريعاً؛ فقد اضطر ومن معه إلى عبور حدائق وبساتين النخيل لمسافة طويلة قبل الوصول إلى إحدى بوابات مراكش.
وفي مساء 14 فبراير 1880، دخل المدينة أخيراً.
كانت الساعة قد تجاوزت السابعة مساءً، وكان التعب قد نال من الرجال والدواب، لذلك فكروا في نصب خيامهم خارج الأسوار. لكن الدليل أصر على مواصلة الطريق.
وهكذا وجد لينز نفسه، في ظلام المساء، يعبر شوارع وساحات مراكش التي كانت شبه خالية، إلى أن استقر به المقام في ساحة تقع أمام جامع الكتبية. 
ومن الكتبية إلى جامع الفنا
في صباح اليوم التالي، تغير المشهد بعد أن استقبله حاكم المدينة ووعده بالحماية، نُقلت أمتعته إلى منزل أُعد له داخل المدينة. وهنا وجد لينز نفسه في جامع الفنا، وهي الساحة التي اختارها له مضيفوه للإقامة.
كان لينز يعرف مسبقاً أن المكان ليس مجرد فضاء عمراني. فقد تذكر ما كتبه فرنسي يدعى لامبرت، عاش فترة طويلة في مراكش، عن الساحة.
ويورد لينز وصفه بأن جامع الفنا كان «المكان الوحيد للترفيه الشعبي»، حيث يجتمع الناس لمشاهدة الحكواتيين والبهلوانيين وأصحاب الفرجة.
أما ليلاً، فكان المكان، وفق الشهادة التي نقلها، مختلفاً وأكثر خطورة.
وهنا تظهر جامع الفنا التي سبقت بسنوات طويلة عصر السياحة: ساحة للفرجة الشعبية، والحكاية، والتجمع، لكنها أيضاً فضاء يحمل شيئاً من الخوف والغموض في المخيال الأوروبي. 
الساحة التي لم تكن تحتاج إلى جمهور سياحي
ما يلفت الانتباه في شهادة لينز أن جامع الفنا لم تكن بالنسبة إلى أهل مراكش «معلمة سياحية» بالمعنى الحديث.
كانت جزءاً من الحياة اليومية.
فالناس يأتون إليها للفرجة، والحكواتيون يقدمون عروضهم، والبهلوانيون يمارسون ألعابهم، وتتحرك فيها فئات مختلفة من سكان المدينة والقادمين إليها.
وبعبارة أخرى، فإن الفرجة لم تكن نشاطاً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل كانت جزءاً من الحياة نفسها.
وهذه النقطة بالذات تساعدنا على فهم لماذا بقيت جامع الفنا حية حتى اليوم، رغم التحولات العمرانية والاجتماعية والسياحية الهائلة التي عرفتها مراكش.
لينز يرى مراكش من الداخل
لم يكتف الرحالة الأوروبي بوصف الساحة.
فخلال إقامته، ارتدى اللباس المغربي في الشوارع حتى لا يجذب الكثير من الانتباه، وكان يتجول في الأسواق المزدحمة، ويراقب السكان والحركة التجارية والحياة اليومية.
وسجل أيضاً وجود جماعات من الأمازيغ القادمين من الأطلس، وسكاناً سوداً، وتجاراً، ويهوداً، وطبقات مختلفة من سكان المدينة.
وكانت مراكش بالنسبة إليه مدينة ذات نشاط تجاري واجتماعي واسع، لكنها في الوقت نفسه مدينة تعاني، في نظره، من مظاهر الإهمال وتراجع بعض المؤسسات التي ربطها بماضيها العريق. 

ليلة المولد.. جامع الفنا ومراكش في مشهد آخر
لكن أجمل ما في شهادة لينز أنه لم ير مراكش في يوم عادي فقط.
فخلال إقامته، صادف احتفالات المولد النبوي التي بدأت في 23 فبراير 1880. وهنا تغير المشهد تماماً خرجت القبائل والأعيان والوفود إلى مراكش، وامتلأت الساحة والمناطق المحيطة بها بالجمهور، فيما أقيمت عروض الفروسية و«التبوريدة»، وتحركت فرق الجيش والقبائل في مشهد احتفالي كبير.
ووصف لينز حضور أعداد ضخمة من الناس، من بينهم النساء اللواتي خرجن لمتابعة الاحتفالات، فيما كان ممثلو القبائل يستعرضون خيولهم المزينة.
لم تعد مراكش التي رآها في ليلة وصوله الهادئة هي نفسها التي شاهدها في أيام الاحتفال.
مدينة هادئة في الليل.. ثم مدينة مكتظة بالناس والخيول والبارود والاحتفال.
وهذا التبدل السريع في وظيفة الفضاء العام هو أحد المفاتيح المهمة لفهم تاريخ جامع الفنا. 
ماذا تكشف شهادة أوسكار لينز؟
تقدم شهادة لينز صورة ثمينة لجامع الفنا قبل أكثر من قرن وأربعة عقود، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قراءة نقدية.
فالرجل لم يكن مجرد سائح؛ كان مستكشفاً وجغرافياً يعمل في إطار بعثة علمية ألمانية، وكان اهتمامه موجهاً أيضاً إلى معرفة جغرافية واقتصادية وسياسية بالمغرب.
كما أن بعض أحكامه على المجتمع المغربي تحمل بوضوح نظرة أوروبية متأثرة بأفكار القرن التاسع عشر، ولذلك لا يمكن التعامل مع كتابه باعتباره مرآة محايدة للمجتمع المغربي.
لكن قيمته بالنسبة إلى «ذاكرة مراكش» تكمن في شيء آخر:
إنه حفظ لنا تفاصيل من الحياة التي عاشها في المدينة سنة 1880، وخصوصاً تفاصيل جامع الفنا باعتبارها فضاءً للفرجة واللقاء الشعبي.
من جامع الفنا سنة 1880 إلى جامع الفنا اليوم
اليوم، يجلس السائح في مقهى أو مطعم يطل على الساحة، أو يدخل إليها لمشاهدة الحكواتيين والموسيقيين وباعة الطعام.
أما قبل 146 سنة، فقد دخلها لينز في زمن لم تكن فيه مراكش تعرف الفنادق السياحية الحديثة، ولا الطائرات، ولا الحافلات السياحية، ولا مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، وجد في الساحة شيئاً ما يزال حاضراً إلى اليوم:
الحكاية، والفرجة، والجمهور، والحركة، وتحول المكان مع مرور ساعات النهار والليل.
وهنا ربما تكمن قوة جامع الفنا الحقيقية.
فالأبنية تتغير، والناس يتغيرون، وأنماط التجارة والفرجة تتغير، لكن الساحة استطاعت أن تحتفظ بوظيفتها الأساسية: أن تكون مكاناً يلتقي فيه المراكشيون والزوار لمشاهدة المدينة وهي تحكي نفسها.

arArabic