مراكش : أحمد بن أعيوش (أرشيف المراكشية)
عندما تطأ قدماك ساحة جامع الفناء بمراكش، فإنك تدخل قطعة أرض لامثيل لها في بقاع العالم، ساحة عصية عن الفهم، هي فضاء للتراث الشفهي، بها تلغى كل الفوارق الطبقية، وبها رواد حلقات يخرجون الضحك من الركام، ويشيدون لحظات رائعة في نفوس الزوار، تظل موشومة في الذاكرة إلى الأبد، لكن للأسف، معظم هؤلاء الرجال لم يبق لهم سوى ظل يتيم، وأسماء مكتوبة على صفحات بفوضى مهينة، وحبر باهت يندى له الجبين، أحد هؤلاء الرواد طرقت بابه، فأجابني صدى شخص يصارع الحياة بالغناء والرقص، لكنه أشبه برقص الطير الجريح.

يحمل عبد الحكيم خبزاوي كعادته كل صباح أغراضه التي يحتاجها في عمله، ثم يتجه صوب ساحة جامع الفناء، أشياء جد بسيطة تعتبر عدة نفيسة بالنسبة إليه، من كرسي خشبي عمره ثلاثون سنة، و«بندير» جاوز واحد والعشرين عاما في هذه المهنة التي تفرض عليه أن يرقص ويغني ولو كان مكسور الخاطر.
والخبزاوي هو احد رواد الحلقة بالساحة التي تعتبر القلب النابض لعاصمة النخيل، ساحة جامع الفناء حيث السحر والتيه والسؤال المحير … فهي مسرح مرتجل في الهواء الطلق، حيث النكتة والحكاية والفكاهة والأغنية والرقص والحركات البهلوانية والشعوذة والوشم ومخضبات الحناء… وهي مطعم شعبي، حيث أصناف المأكولات المغربية من الطنجية والمشويات من لحوم ونقانق، ثم الكسكس والطاجين والبسطيلة والسمك والدجاج … وهي أغرب من الغرابة ذاتها، حيث تمارس فيها رياضة الكولف والملاكمة وحمل الأثقال، ناهيك عن مرودي القردة والأفاعي …
ولد عبد الحكيم بحي القصبة وترعرع بساحة جامع الفناء، ومنذ أن أطفأ شمعته العاشرة تلقى أصول الحلقة على يد معلمه عزوز صاحب الكمان، فقد كان يسرق الفرص في غفلة من صاحب الورشة لإصلاح الدراجات، حيث كان يشتغل – وهو لا يتجاوز التاسعة من عمره – قرب باب السمارين، ثم ينطلق كجواد طليق قاصدا حلقة عزوز، ليستمتع بعض اللحظات ويستعرض موهبته في الغناء والرقص، وكلما عاقبه والده عن ترك الشغل أعاد الكرة غير مكترث بعقابه أو عقاب صاحب الورشة، لأن هوس الحلقة قد أصابه حتى النخاع، وهذا ما فطن إليه الوالد فترك له حق الاختيار بين هذا وذاك.
الخبزاوي، ( 60 سنة)، أب لأربعة أبناء يعيشون في كنفه، إحدى بناته مات زوجها تاركا لها طفلين، وهو من يتكفل بهما، وجميعهم يتكدسون في غرفتين صغيرتين يكتريهما، مسكن بسيط، كما أن بعض أفراد عائلته يتنكرون لعمله ويعتبرونه مهانة لهم… مع ذلك يجب عليه أن يغني وأن يرقص مهما كان عمق الجرح بداخله، فهو كما يضع نظارته السوداء كي يخفي عينه اليسرى، التي فقدت وظيفتها إثر حادثة سير تعرض لها منذ عهد بعيد، يجب أن يخبئ أحزانه ويرسم على وجهه ابتسامة عريضة ودائمة، كي يسعد جمهوره ليقدموا له بعض الدراهم تعينه وأسرته على قساوة الحياة.
يسترجع الخبزاوي الأيام الخوالي، ويتحسر على ما آلت إليه الساحة بعد فقدانها لكبار رواد الحلقة، أمثال مولاي مبارك«الكوشي» والشرقاوي «مول الحمام» ومولاي أحمد «حمقة» والبشير «دكتور الحشرات» ومولاي عبد السلام «الصاروخ» وعمر «ميخي» ومحماد «الحريرة» وأحمد السيكوري مغني الملحون وكبور «مول البيشكليت» والمحجوب «الكناوي».. رجال لم يحظوا باهتمام المسؤولين وأصحاب القرار، الذين يتشدقون بشهرة ساحة جامع الفناء، كونها ملأت أرجاء العالم، لكنهم لايلتفتون إلى هؤلاء الناس، إلتفاتة صغيرة تشعرهم أنهم بشر، لا مجرد «كراكيز» ودمى تشحن بطارياتها لترقص أكثر وتجلب السياح أكثر.
اكتمل قرص الشمس إيضاحا في سماء مراكش، واستيقظت الساحة على خطى المارة بملامح يبدو عليها الأرق، فهي لاتهدأ أبدا، سوى ساعات قليلة من آخر الليل، رجال يضعون صناديقهم ويستخرجون ثعابين وأفاعي، ويفسحون لها المجال لتتحرك بحرية وتتلوى وكأنها في أدغال الأمازون، ورجال يقرؤون البسملة ويبدؤون في قرع الطبول، كأنهم يعلنون غارة جديدة من حرب البسوس، وآخرون يفرشون أصناف عديدة من الأعشاب وبعض الزواحف الغريبة، كأنهم خارج لعبة الزمن، ونساء يثبتن مظلاتهن الواقية من حرارة الشمس، كأنهن في شاطئ مرتيل، ويضعن كرسيين، واحد لهن والآخر لنساء عربيات وأجنبيات، لكنهن يجتمعن في رغبة التزيين بالحناءو عن طريق رسوم مشكلة بإثقان وسحر فاتنو والخبزاوي بين هؤلاء يجلس دون حلقة، فهو لايدخلها في برنامج عمله صباحا، لأنه يعرض أغانيه المثبتة في أقراص مدمجة للبيع، فقد سبق أن أعجب به أحد الفرنسيين الذي اقترح عليه تسجيل ألبوما لهو فاصطحبه إلى منزله وسجل له عشر قطع من أغنياته الرائعةو ثم أهداه الأجنبي خمسين قرصا منهاو وبعد أن لقيت إقبالا من طرف معجبيه، إعتاد الخبزاوي على نسخها وبيعها كل صباح.
إنه المساء بالمدينة الحمراء، والساعة تعلن أنها الخامسة، وكل الحلايقية بالساحة يضعون أمتعتهم في أماكن خاصة بهم، الخبزاوي هو الآخر يضع كرسيه ويبدأ بالتصفيق والمناداة على المارة، كأنه فقد صوابه، لكنها وسيلته لاجتذاب جمهوره الذي يهواه، خاصة وهو يغني أغنيته الشهيرة «كيلي جولي» بأدائه المتميز ورقصاته الفريدة ذات طابع مراكشي قح، يرتدي جلبابه الفضفاض ويضع محفظته الجلدية التقليدية على صدره، بها سماعة هاتفية وفواكه بلاستيكية هي الأخرى من لوازم الشغل.
التف حوله العشرات، رجال ونساء، شيوخ وشباب وأطفال، وجوه يملأها الضحك، وهي كلما زادت سعادة استمر الخبزاوي في حركاته الساحرة، أياد تنسل إلى الجيوب لتسحب بعض الدراهم وتلقيها على سجادة مفروشة على الأرض، الدراهم تتكاثر وصاحب الحلقة يبدع بتلقائية تسحر الجمهور وتشده إليه بألف وثاق.