لم يكن اهتمام الباحث الفرنسي جورج س. كولان بالدارجة المغربية مقتصرا على الكلمات المتداولة في الحياة اليومية، بل امتد إلى عالم الحرف التقليدية الذي كانت مراكش تمثل أحد أهم مراكزه. فقد أدرك أن أسماء الحرفيين وأدواتهم ومصطلحاتهم تشكل جزءا من الذاكرة الثقافية للمدينة، لذلك خصص دراسة مبكرة بعنوان “أسماء الحرفيين والتجار في مراكش”، قبل أن يضم كثيرا من مادتها إلى معجمه الشهير للعامية المغربية، محافظا بذلك على جانب مهم من التراث اللغوي والمهني للمدينة.

ويكشف معجم كولان عن تنوع كبير في المهن التي كانت تزدهر داخل أسواق المدينة العتيقة ومحيط جامع الفنا. فمن بين الحرف التي وثق أسماءها العطار الذي كان يبيع الأعشاب الطبية والتوابل والعطور، والخراز المتخصص في صناعة الجلد، والنحاس الذي يحول صفائح النحاس إلى أوان وأدوات منزلية، والحداد صانع الأدوات الحديدية، والنجار الذي يبدع الأبواب والأسقف الخشبية، والنساج الذي يحول الخيوط إلى منسوجات تقليدية، إضافة إلى الصباغ والدباغ والقصاب والخباز وغيرها من المهن التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد الحضري في مراكش.
ولم يتوقف كولان عند أسماء الحرفيين، بل سجل أيضا المفردات المرتبطة بأماكن عملهم وأدواتهم. فالحرفة كانت ترتبط بـالحانوت أو الورشة داخل القيسارية أو السويقة، بينما كانت الرحبة فضاء لتبادل السلع والمواد الأولية. أما الفندق فكان يؤدي وظيفة تجارية تجمع بين تخزين البضائع وإقامة التجار القادمين من خارج المدينة، وهو ما يعكس التنظيم الاقتصادي الدقيق الذي عرفته مراكش منذ قرون.
كما تكشف مفردات المعجم عن وجود لغة مهنية خاصة بكل حرفة. فالعطار يستعمل أسماء النباتات والعقاقير، والخراز يتداول مصطلحات الجلد والخياطة، والنجار يعرف تفاصيل الأخشاب وأدوات النحت، بينما يتحدث النحاس بلغة الطرق والصهر والتلميع. وقد حرص كولان على تسجيل هذه المفردات كما سمعها من أفواه الصناع، معتبرا أن لكل حرفة معجمها الخاص الذي لا يقل أهمية عن اللغة العامة.
وتبرز أهمية هذا العمل في أنه لم يحفظ أسماء المهن فقط، بل وثق منظومة اجتماعية كاملة كانت تقوم على العلاقة بين المعلم والصانع والمتعلم، حيث تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر داخل الورشة، كما تنتقل الكلمات والمصطلحات المهنية دون الحاجة إلى كتب أو مدارس نظامية. وهكذا أصبحت اللغة نفسها جزءا من عملية التكوين المهني التقليدي.
وبعد مرور عقود على إنجاز هذا العمل، ما تزال كثير من الألفاظ التي سجلها كولان حية في أسواق مراكش، رغم اختفاء بعض الحرف أو تراجعها بفعل التحولات الاقتصادية. وتؤكد الدراسات الحديثة أن مراكش لا تزال إحدى أهم الحواضر الحرفية بالمغرب، مع استمرار حضور صناعات الخشب والجلد والبناء التقليدي والملابس التقليدية ضمن أبرز تخصصاتها.
ولهذا لا يمثل معجم كولان مجرد مرجع لغوي، بل يعد أرشيفا لذاكرة الحرف التقليدية المراكشية، إذ حفظ أسماء الصناع، ومفردات الأسواق، ولغة المهن، في زمن كانت فيه المدينة تنسج هويتها من صوت المطرقة في دكان الحداد، ورائحة الجلد في ورشة الخراز، وعبق الأعشاب في حانوت العطار.