المراكشية: إعداد القسم الثقافي
الآن: جامع الفنا أكثر شهرة في العالم من أي وقت مضى، لكن بعض عناصرها التي صنعت شهرتها أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

لم تبدأ الحكاية في جامع الفنا من الصفر.
قبل أن يقف الحكواتي وسط الساحة، ويضرب بعصاه الأرض أو يرفع صوته، ثم تتشكل حوله دائرة من المستمعين، كانت الحكاية قد قطعت طريقاً طويلاً في الذاكرة العربية والمغاربية. كانت تنتقل من فم إلى أذن، ومن مجلس إلى مجلس، ومن جيل إلى جيل، قبل أن تجد في الأسواق والساحات فضاءً مثالياً لكي تتحول إلى فرجة جماعية.
ولهذا فإن السؤال عن كيف بدأت الحلقة في جامع الفنا ليست إجابته في المصادر، إذ أن الأرجح أن الحلقة جاءت نتيجة تطور طويل لتقاليد الحكي الشفوي التي كانت موجودة في المجتمع قبل أن تستقر في جامع الفنا وتصبح إحدى أبرز سمات الساحة.
وتشير دراسات حول الراوي والحلقة في جامع الفنا إلى أن فن الحكي كان متداولاً في المجتمع المراكشي، وفي الأوساط العائلية، قبل أن تصبح حلقة الحكواتي من العناصر الأساسية في أنشطة الساحة. كما تؤكد اليونسكو أن القيمة الثقافية لجامع الفنا تكمن في هذا الفضاء الحي الذي تتداخل فيه الحكاية والموسيقى والشعر والعروض الشعبية مع التجارة والحياة اليومية.
من البيت إلى دائرة الساحة
في المجتمعات التي لم تكن فيها القراءة والكتابة متاحة للجميع، لم يكن الكتاب هو الوسيلة الوحيدة لحفظ الذاكرة. كان الإنسان نفسه كتاباً متحركاً يحفظ السيرة ويحفظ الحكاية ويعرف كيف يرويها.
وهكذا نشأ عالم واسع من الرواة الذين يستطيعون أن يحملوا في ذاكرتهم قصصاً طويلة، بعضها يمتد لساعات أو لأيام، ويعرفون كيف يعيدون روايتها في كل مرة بطريقة تجعل المستمع ينتظر النهاية.
ومع انتقال الحكي من المجالس الخاصة إلى الأسواق والساحات، تغيرت العلاقة بين الراوي والجمهور، ولهذا كان عليه أن يجذب انتباهه بسرعة.
وهنا ولدت الحلقة بوصفها شكلاً من أشكال الفرجة: شخص في الوسط، وجمهور يحيط به، وحكاية تتطور أمام أعين المستمعين.
وفي جامع الفنا وجدت هذه الطريقة فضاءً مثالياً للاستمرار.
فالساحة كانت مركزاً للتجارة واللقاء، وكان القادمون إليها من مراكش ومن مناطق أخرى يجلبون معهم الأخبار والحكايات والتجارب. وتشير شهادات معاصرة عن تاريخ الحكواتي المغربي إلى أن التجار والمسافرين كانوا يتبادلون القصص والأخبار، ثم يعاد تشكيل بعضها في روايات تقدم أمام الجمهور.
ماذا كان الحكواتي يروي؟
هنا ندخل إلى عالم يكاد يكون مفقوداً من الذاكرة المعاصرة، لم تكن الحكاية نوعاً واحداً.
كان هناك التاريخ والسيرة والمغامرة والحكاية الخيالية والحكاية العجائبية، إلى جانب القصص التي تحمل الحكمة والموعظة والطرافة.
وكان من الممكن أن يجد المستمع نفسه في ليلة واحدة أمام عالم من الأبطال والفرسان والملوك والجن والعجائب.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا التراث الشفهي في المغرب والمجال العربي عنترة وعبلة، بني هلال، سيف بن ذي يزن، الزير سالم، ذات الهمة، الظاهر بيبرس، فضلاً عن قصص «ألف ليلة وليلة» وما تفرع عنها من حكايات.
ومن المهم هنا التمييز بين السيرة بوصفها نصاً أدبياً تاريخياً أو شعبياً وبين الطريقة التي كان بها الحكواتي يعيد صياغتها شفوياً. فالحكواتي لم يكن بالضرورة يقرأ نصاً مكتوباً أمام الجمهور؛ كان يحفظ الخطوط الكبرى للقصة، ويعيد بناءها بلغته وأسلوبه، وقد يختصر أو يضيف أو يكرر مقطعاً بحسب تفاعل المستمعين.
ومن هنا كانت السيرة قابلة للحياة خارج الكتاب.
«سيرة سيدنا علي».. من التاريخ إلى الخيال الشعبي
ومن العناوين التي ينبغي أن نستحضرها عند الحديث عن مخزون الحكاية الشعبية «سيرة سيدنا علي»، وهي من القصص التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بعالم البطولات والمغامرات والفرسان.
إن ما كان يروى في الحلقة تحت عنوان سيرة أو قصة عن شخصية تاريخية لا ينبغي التعامل معه كله باعتباره تاريخاً موثقاً.
في الذاكرة الشعبية، تتداخل الشخصية التاريخية مع الخيال، وتتضخم البطولة، وتضاف المغامرات والعجائب، وتتحول الوقائع إلى حكايات طويلة قادرة على جذب الجمهور.
ولهذا نجد في تقاليد الحكي الشعبي قصصاً عن علي، وعنترة، وسيف بن ذي يزن، وبني هلال وغيرها، تمتزج فيها عناصر التاريخ بالسيرة الشعبية والخيال والعجائبي. وهذا تحديداً هو سر قوة الحكاية الشفوية.
إنها لا تحفظ الماضي كما وقع بالضرورة، وإنما تحفظ كيف تخيل المجتمع الماضي وكيف أراد أن يتذكر أبطاله.
عنترة.. الفارس الذي صار شخصية شعبية
عنترة شخصية تاريخية معروفة في التراث العربي، لكن صورته في السيرة الشعبية تجاوزت حدود ما يمكن إثباته تاريخياً عنه.
تحول الشاعر والفارس إلى بطل مغامرات، ودخلت إلى قصته تفاصيل الحب والحرب والمواجهة والعبودية والكرامة، وأصبح عنترة شخصية مثالية في المخيال الشعبي.
وهكذا كان الحكواتي يستطيع أن يجعل المستمع يعيش مع البطل، لا أن يسمع عنه فقط.
وهذه الطريقة في بناء الشخصية هي التي تجعل السير الشعبية مناسبة جداً للحلقة، فهي طويلة، وغنية بالأحداث، وفيها معارك ومفاجآت، وفيها أبطال وخصوم.
وفيها لحظات يمكن للحكواتي أن يتوقف عندها ويترك الجمهور ينتظر.
وبنو هلال؟
أما السيرة الهلالية، أو سيرة بني هلال، فهي مثال آخر على قدرة الحكاية الشعبية على تجاوز الحدود.
انتقلت هذه السيرة بين مناطق عربية ومغاربية مختلفة، وتعددت رواياتها وأشكال أدائها، وظلت شخصياتها وأحداثها حاضرة في الذاكرة الشعبية.
والسيرة هنا ليست مجرد قصة عن قبيلة أو هجرة، إنها عالم كامل من البطولة والرحيل والصراع والحب والكرامة.
ولهذا استطاع الحكواتي أن يجد فيها مادة لا تنتهي بسهولة ففي كل ليلة يمكن أن يتوقف عند مرحلة، وكل ليلة يمكن أن يعود الجمهور لمتابعة ما حدث.
وهكذا تصبح الحكاية نوعاً من المسلسل الشعبي قبل ظهور المسلسل التلفزيوني بقرون.
من «ألف ليلة وليلة» إلى عالم العجائب
ولم يكن عالم الحكواتي محصوراً في السير العربية. كانت الحكايات العجائبية أيضاً جزءاً من مخزون الحكي الشعبي: الجن، والسحرة، والملوك، والأميرات، والرحلات، والممالك الغريبة، والحيوانات الناطقة، والمخلوقات الخارقة.
وهنا تظهر أهمية «ألف ليلة وليلة» بوصفها جزءاً من الثقافة السردية التي أثرت في المخيال العربي والعالمي، وإن كان من الخطأ القول إن الحكواتي في جامع الفنا كان ببساطة «يروي كتاب ألف ليلة وليلة» كما هو.
الأصح أن نقول إن عالم ألف ليلة وليلة، إلى جانب السير الشعبية والحكايات المحلية، ينتمي إلى المخزون السردي الواسع الذي غذى تقاليد الحكي الشفوي.
وقد أشارت وثائق حول جامع الفنا إلى حضور قصص «ألف ليلة وليلة» وسيرتي عنترة وعلي ضمن أنواع الروايات والحكايات التي ارتبطت بالحلقة.
لماذا نجحت هذه القصص في جامع الفنا؟
لأنها كانت مناسبة تماماً لطبيعة المكان، فجامع الفنا ساحة مفتوحة، والجمهور متغير، والحكواتي يحتاج إلى قصة يمكن أن تبدأ في أي لحظة، وتستمر طويلاً، ويمكن أن تتوقف عند ذروة لتستأنف لاحقاً.
والأهم أن القصة لا تحتاج إلى ديكور، ولا تحتاج إلى مسرح، ويكفي صوت الراوي.
ولهذا كان الحكواتي قادراً على تحويل مساحة صغيرة من الساحة إلى عالم كامل.
بضع كلمات عن فارس، فيصبح الجمهور أمام حصان ومعركة.
وصف لقصر، فيظهر القصر في مخيلة المستمع.
ذكر لمدينة بعيدة، فيسافر إليها الناس وهم جالسون في مكانهم.
كان الخيال هو الديكور.
الأوروبيون يلاحظون الظاهرة
ولم تمر هذه الثقافة الشفوية من دون أن تلفت انتباه الرحالة الأوروبيين.
عندما وصل أوسكار لينز إلى مراكش سنة 1880، وصف جامع الفنا باعتبارها فضاءً للترفيه الشعبي، وأشار إلى الحكواتيين والبهلوانيين وأصحاب العروض الذين كانوا يجذبون الناس إلى حلقاتهم.
وبعد عقود، جاء كتاب وكتاب أجانب آخرون إلى مراكش، واكتشفوا أن ما يحدث في الساحة لا يشبه المسرح الأوروبي التقليدي.
فالفرجة لا تبدأ بإعلان، ولا تنتهي بإسدال الستار، إنها تولد من الجمهور نفسه.
وفي القرن العشرين، كان الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو من أبرز الذين التفتوا إلى القيمة الثقافية لهذه الظاهرة، وكتب عن جامع الفنا بوصفها فضاءً استثنائياً للثقافة الشفوية، قبل أن يساهم اهتمامه في النقاش الدولي حول حماية تراث الساحة. وتصف اليونسكو نفسها تجربة غويتيسولو في الساحة بأنها كانت منطلقاً لتأمل الفرق بين الأدب المكتوب والتواصل الشفوي.
من الحكاية إلى التراث
عندما اعترفت اليونسكو سنة 2001 بجامع الفنا باعتبارها من روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية، لم تكن تحتفي فقط بساحة تاريخية أو بموقع سياحي، كانت تلتفت إلى ما يحدث داخل الساحة، ومنها إلى الحلقة، وإلى الحكاية، ومنهما إلى العلاقة بين الراوي والجمهور.
ثم أدرج «الفضاء الثقافي لساحة جامع الفنا» في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي سنة 2008. وتؤكد اليونسكو أن هذا التراث يقوم على تقاليد شفوية وفنون أدائية تتجدد باستمرار وفق الجمهور والسياق.
وهنا نفهم أن «الحلقة» ليست مجرد طريقة للجلوس.
إنها نظام ثقافي كامل.
راوٍي
وجمهور.
وحكاية.
ولغة.
وذاكرة.
ومكان مفتوح يسمح لكل ذلك بأن يحدث.