الصفحة الرئيسيةرأي

سبتة .. من مجرد نقطة عبور استثنائية للمهاجرين الى سؤال احتلال إسباني للمدينة

المراكشية : د. نورالدين بلحاج الكتبي

لم تكن سبتة، في الأيام الأخيرة، مجرد نقطة عبور استثنائية للمهاجرين، ولا مجرد أزمة أمنية وإنسانية أربكت إسبانيا وأعادت ملف الهجرة إلى واجهة النقاش الأوروبي. ما حدث أعاد، بشكل غير مباشر، طرح سؤال أقدم بكثير من أزمة الهجرة نفسها: ما الذي تفعله مدينة إسبانية في قلب الجغرافيا المغربية، ولماذا بقي ملف سبتة ومليلية خارج النقاش الأوروبي حول تصفية آخر مخلفات الاستعمار في شمال إفريقيا؟


فالأحداث الأخيرة جعلت ملايين المتابعين عبر العالم يكتشفون، ربما للمرة الأولى بهذه الصورة، حقيقة جغرافية وسياسية شديدة الخصوصية: هناك مدينتان تحت الإدارة الإسبانية، سبتة ومليلية، تقعان في أقصى شمال إفريقيا، وتحيط بهما الأراضي المغربية من كل جانب تقريباً، بينما تفصل سبتة عن شبه الجزيرة الإيبيرية مياه مضيق جبل طارق.
ومن الناحية العملية، فإن الوصول إلى سبتة يعني الوصول إلى حدود إسبانية وأوروبية داخل التراب الإفريقي، وهو ما يمنح المدينتين وضعاً استثنائياً في منظومة الأمن والهجرة الأوروبية. وتقر المؤسسات الإسبانية نفسها بأن المغرب يتقاسم مع إسبانيا حدوداً برية عبر مدينتي سبتة ومليلي

بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بحدود عادية، إذ ظل الموقف الرسمي والشعبي يعتبر سبتة ومليلية مدينتين محتلتين وجزءاً من التراب الوطني. ومنذ الاستقلال، طالب المغرب باستكمال وحدته الترابية وإنهاء ما تبقى من الوجود الاستعماري الإسباني في شمال البلاد، قبل أن يدخل الملف، مع مرور السنوات، في مرحلة من التجميد السياسي، دون أن يعني ذلك التخلي عنه.

سبتة ومليلية في مواجهة جبل طارق
ربما لا توجد قضية أقرب إلى المقارنة من جبل طارق.
إسبانيا تعتبر جبل طارق مستعمرة بريطانية، وتطالب منذ عقود باستعادته، بل إن وزارة الخارجية الإسبانية ما تزال تؤكد رسمياً أن جبل طارق مدرج منذ ستينيات القرن الماضي ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتربط إنهاء الوضع الاستعماري هناك باستعادة وحدة الأراضي الإسبانية.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها من منظور مغربي:
إسبانيا تطالب بريطانيا بإنهاء الوجود البريطاني في جبل طارق، بينما يوجد في المقابل وجود إسباني في سبتة ومليلية، وهما مدينتان تعتبرهما الرباط جزءاً من ترابها الوطني.
طبعاً، ليست الحالات الثلاث متطابقة قانونياً أو تاريخياً، كما أن لكل واحدة منها ظروفها الخاصة وتطورها التاريخي المختلف.
لكن سياسياً، تظل المقارنة حاضرة.
وقد يكون من أهم أسباب عدم تحويل المغرب لهذا الملف إلى معركة دبلوماسية مفتوحة، على الأقل خلال مراحل طويلة، إدراك الرباط لحساسية البيئة الإقليمية، خصوصاً مع استمرار النزاع حول الصحراء، والتشويش الجزائري على المغرب، وارتباط المغرب بعلاقات استراتيجية مع أوروبا، فضلاً عن أهمية العلاقات مع إسبانيا نفسها.

وخلال السنوات الأخيرة، اختارت الرباط ومدريد بناء علاقة أكثر براغماتية، خصوصاً في عهد الحكومة الاشتراكية الحالية، وبرز التعاون في الهجرة والأمن والاقتصاد كعنوان لهذه المرحلة. غير أن تحسين العلاقات لم يؤد إلى إسقاط قضية المدينتين من الذاكرة السياسية المغربية، بل أبقاها عملياً في حالة تجميد مؤقت، لا تسوية نهائية.

لذلك، فإن أزمة سبتة الأخيرة تطرح أكثر من سؤال حول المستقبل. فهي لم تغيّر وضع السيادة، ولم تُظهر وجود مفاوضات وشيكة بين المغرب وإسبانيا، لكنها أعادت كشف هشاشة الوضع الاستثنائي للمدينة: مدينة أوروبية في الجغرافيا الإفريقية، وبوابة إسبانية إلى فضاء مغربي، وحدّ خارجي للاتحاد الأوروبي في قلب شمال إفريقيا.

ثلاثة أسئلة كبرى تبقى مفتوحة:

أولاً: هل يمكن أن يستمر تجميد ملف سبتة ومليلية إلى ما لا نهاية، بينما تتغير موازين القوى والعلاقات بين المغرب وأوروبا؟

ثانياً: هل تستطيع الرباط ومدريد، مع متانة علاقاتهما الحالية، الانتقال مستقبلاً من إدارة الوضع القائم إلى بحث الوضع النهائي للمدينتين؟

ثالثاً: وهل تكون أزمة سبتة الأخيرة مجرد أزمة هجرة عابرة، أم أنها ستشكل بداية مرحلة جديدة يعود فيها ملف المدينتين المحتلتين إلى النقاش السياسي والدبلوماسي؟

arArabic