الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاثملفات خاصة

دعوة للمناقشة .. النظرية الجديدة للأكاديمي ع الله المعاوي حول مسرح الساحة

تقديم:

تُنشر هذه المقالة ضمن سلسلة من المقالات التي يخصّصها المؤلف — المسرحي والأستاذ الجامعي عبد الله المعاوي — لمقاربة نظرية مسرح الساحة انطلاقًا من نموذج ساحة جامع الفنا بمراكش، بوصفها نظامًا أدائيًا حيًا يتجاوز التصورات المسرحية الكلاسيكية.

ولا تهدف هذه المقالات إلى تقديم معرفة جاهزة أو أحادية، بل إلى فتح مناقشة علمية وفنية مع القارئ/المتلقي، انطلاقًا من قناعة بأن النظرية تُبنى بالتشارك والحوار والنقد البنّاء. ونحن إذ ننشر هذا المقال، فإننا ندعو – كما دعا الأستاذ المعاوي – كل مهتم, باحثًا، مخرجًا، طالبًا، أو متفرجًا — إلى أن يكون شريكًا في إعادة التفكير في مفاهيم المسرح، الجمهور، الفضاء، والدائرة، انطلاقًا من خصوصية ثقافية مغربية وعربية.

قراءة مثمرة، وحوار مفتوح.

المراكشية

[1. نظرية مسرح الساحة والنظريات الغربية الحديثة المتعلقة بالمسرح خارج الخشبة]

إننا عندما نطرح نظرية الساحة في مجال الدراما انطلاقا من ساحة جامع الفنا كإطار، فإننا نريد أن نثبت بأن ما سنقدّمه ليس مجرد إعادة صياغة لما طرحه الآخرون بشكل غير واضح ومحدود، بل نريد بهذا التنظير: إضافة نوعية جديدة (conceptual innovation)، مؤكدين للمهتمين بالنظريات الدرامية على تحويلنا لزاوية النظر (shift in paradigm) و تطبيق سياقي غير مسبوق على ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش كنموذج أساسي وبجانبه نماذج متعددة ومتنوعة من الحضارة المغربية الزاخرة والمليئة بنماذج حية من أشكال الدراما الساحية، وغير منكرين لكتب رصينة ومرجعيات هامة مؤسسة في نظرية المسرح العالمي وخاصة الغربي منها، نذكر على سبيل المثال: The Empty Space لـ Peter Brook و Theatre in the Round على أساس أن هذا المفهوم له جذور تطبيقية في المسرح الغربي، وكتاب: The Art of Theatre، مع العلم أن هذا العنوان يتميز بالعمومية وهو كتاب غالبا ما يحيل إلى نظريات كلاسيكية في المسرح الغربي وإلى نظريات حديثة كذلك. وإننا إذ نورد عنوان هذه الكتب للأمانة العلمية فإننا نشترط ذكرها بالملاحظات الأساسية التالية:

إن هذه الكتب قد ناقشت المسرح خارج الخشبة الإيطالية، وأن أهم ما حققته هو نقاشها للعلاقة المباشرة مع الجمهور وركزت بالدرجة الأولى على تفكيك الحدود بين الممثل والجمهور، وهذا أهم ما حققته النظريات الغربية الحديثة ابتداء من نظرية بريخت.

وسيلاحظ المهتم بنظريتنا التي أطلقنا عليها “نظرية مسرح الساحة” بأن هذه النظريات الغربية تقترب ظاهريا مما نشتغل عليه الآن، لكننا نؤكد بأننا تجاوزنا هذه النظريات التي ركزت على الجمهور بعيدا عن الخشبة وبدأنا نؤسس لنظرية تملك شرعية فردانيتها بالمعطيات التالية:

1. أننا نتعامل مع الساحة كـ”نظام حي” وليس مجرد فضاء.
ذلك أن الساحة عند Peter Brook عبارة عن فضاء فارغ ويمكن تفعيله، لكن الساحة عندنا (وخصوصًا ساحة جامع الفنا) ممتلئة ثقافيًا وأنثروبولوجيًا قبل العرض.

2. إننا نتعامل مع الحلقة في ساحة جامع الفنا كنموذج أنثروبولوجي وليس شكلًا إخراجيًا فقط. ففي “Theatre in the Round” تبدو الدائرة مجرد شكل مسرحي، أما عندنا في نظرية مسرح الساحة: فإن الحلقة بنية اجتماعية/طقسية/تفاوضية.

3. إن الجمهور في مسرح الساحة عندنا شريك مُنتِج للمعنى (وليس متلقيًا نشطًا فقط) كما هو الآن في المسرح الغربي.
فعند بريخت أو بيتر بروك مثلاً الجمهور يتفاعل، في حين أن الجمهور عندنا يُنتج الحدث ويعيد تشكيله لحظيًا.

4. في العنصر الثالث من مكونات دراماتورجيا مسرح الساحة استطعنا أن نبصم بصمتنا الخاصة وذلك بالمزج بين فلسفة سارتر والأنثروبولوجيا والأداء الحي في حلقة ساحة جامع الفنا. وقد استطعنا أن نقوم بهذا التركيب النادر في النظريات المسرحية الحديثة بين:

· الوجودي في مسرح الحلقة (ونحن نحلل مفهوم الحرية والمسؤولية في العرض)،
· والأنتروبولوجي (عندما نتحدث عن مفهوم الدائرة والطقس فيها)،
· ومفهوم خصوصية الأدائي (ونحن نتحدث عن الارتجال والتفاعل في مسرح الحلقة بساحة جامع الفنا).

إننا إذ ندعو إلى نظرية مسرحية تحمل عنوان “مسرح الساحة” فإننا لا ندّعي ابتكار فكرة المسرح خارج الخشبة، بل نقترح إعادة تأسيس نظرية جديدة انطلاقًا من نموذج الساحة المغربية، وتحديدًا ساحة جامع الفنا، باعتبارها نظامًا أدائيًا حيًا يتجاوز التصورات الغربية الكلاسيكية. وهذا ما سنستفيض في شرحه وتوضيحه في كتابنا حول هذه النظرية بحول الله، والذي نقتطف منه هذه التوضيحات.

arArabic