المراكشية: القسم الثقافي
«التران».. «بابور البر».. «الماشينا».. و«طانجي فاس».. أسماء وعبارات تداولها المغاربة للدلالة على آلة واحدة ستغير، في غضون عقود قليلة، شكل السفر والتجارة وعلاقة المدن ببعضها: القطار.

لم يكن وصول القطار إلى المغرب مجرد دخول وسيلة نقل جديدة، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل كان جزءاً من تحول أعمق عرفته البلاد في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فالسكك الحديدية جاءت محملة بوعود التحديث والسرعة وربط المدن، لكنها جاءت في الوقت نفسه مرتبطة بالتنافس الأوروبي على المغرب وبالمشروع العسكري والاقتصادي للقوى الاستعمارية.
ولهذا لم ينظر المغاربة الأوائل إلى «الماشينا» باعتباره مجرد آلة عجيبة تمشي فوق الحديد. كان القطار بالنسبة إلى كثيرين رمزاً لعالم أوروبي جديد يتقدم بسرعة، ولنفوذ أجنبي كان يتوسع هو الآخر داخل البلاد.
ودخل المغرب عصر السكك الحديدية في ظروف مختلفة تماماً؛ إذ كان النقاش حول القطار مرتبطاً منذ البداية بالسؤال السياسي: من يبني السكة؟ ولأي غرض؟ ومن يتحكم في الطريق الذي ستسير فوقه؟
حين خاف المغاربة من القطار
قبل أن يصبح القطار حقيقة فوق التراب المغربي، أثار مشروعه جدلاً واسعاً.
ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت القوى الأوروبية تتنافس على توسيع نفوذها في المغرب، وكانت وسائل الاتصال الحديثة، ومنها التلغراف والسكك الحديدية، تبدو في نظر بعض رجال الدولة والعلماء جزءاً من هذا التوسع.
ويقدم المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري، صاحب «الاستقصا»، مثالاً واضحاً على هذا التخوف. ففي حديثه عن زيارة وفود أوروبية إلى السلطان، أشار إلى حديث الفرنسيين عن «بابور البر والتلغراف»، قبل أن يعلق بأن ما يقدم على أنه منفعة للمسلمين والنصارى يمكن أن يكون، في نظره، «عين الضرر».
لم يكن هذا الرفض رفضاً للتكنولوجيا في حد ذاتها بقدر ما كان تعبيراً عن الخوف من استخدامها في اختراق البلاد والسيطرة عليها.
وكانت المخاوف في جانب منها واقعية؛ فالسكك الحديدية التي ستنتشر لاحقاً في المغرب ستخدم، في مراحلها الأولى، تحرك القوات ونقل المعدات والمواد، قبل أن تتحول تدريجياً إلى شبكة لنقل البضائع والمسافرين.
قطار صغير يشعل واحدة من أكبر أزمات الدار البيضاء
ولعل أكثر فصول التاريخ السككي المغربي دلالة على العلاقة بين القطار والتوسع الاستعماري وقع في الدار البيضاء سنة 1907.
ففي إطار أشغال بناء ميناء الدار البيضاء، أقيم خط ضيق لنقل الأحجار من مقالع الصخور السوداء إلى ورش الميناء. وكان مسار السكة يمر بمحاذاة مقبرة سيدي بليوط، وهو ما أثار غضباً واسعاً لدى السكان. وفي 30 يوليوز 1907 هوجم قطار «ديكوفيل» وقتل تسعة من العمال الأوروبيين العاملين في المشروع.
استُخدمت الحادثة ذريعة للتدخل العسكري الفرنسي، وفي غشت من السنة نفسها تعرضت الدار البيضاء لقصف بحري فرنسي عنيف، أعقبه إنزال للقوات واحتلال المدينة.
وهكذا ارتبط أحد أقدم مشاهد السكك الحديدية في المغرب بواحدة من أكثر لحظات التاريخ الاستعماري دموية.
والأهم أن هذه الواقعة تكشف شيئاً يتجاوز حادثة القطار نفسها: السكة كانت جزءاً من مشروع اقتصادي أوسع يتعلق بالميناء، والميناء كان بوابة للنفوذ الأوروبي، والمدينة كانت تتحول بسرعة إلى مركز اقتصادي استراتيجي.
مراكش تنتظر «بابور البر»
إذا كانت الدار البيضاء قد عرفت القطار في سياق أشغال الميناء، فإن مراكش ستعرفه في سياق مختلف، لكنه ظل مرتبطاً بالمشروع العسكري والاستراتيجي نفسه.
كان الوصول إلى المدينة الحمراء يعني اختراق المسافة الواسعة الممتدة جنوب الدار البيضاء نحو تادلة والرحامنة ومراكش. وكانت هذه المسافة تمثل تحدياً لوجستياً كبيراً في زمن كانت فيه وسائل النقل تعتمد أساساً على الدواب والقوافل والعربات.
وفي هذا السياق تقدم القطار جنوباً عبر شبكة الـ60 سم.
وبحلول سنة 1919 كان خط الدار البيضاء ـ مراكش قد اقترب من نهايته، إذ وصل الخط إلى بن جرير في شتنبر من تلك السنة، قبل أن يمتد إلى مراكش سنة 1920.
في 20 ماي 1920 وصل أول قطار من الدار البيضاء إلى مراكش.
كان ذلك التاريخ لحظة استثنائية في ذاكرة المدينة.
تخيل مراكش التي اعتادت أصوات الدواب والقوافل وعربات النقل، وهي تسمع لأول مرة صوت القاطرة البخارية يقترب. آلة حديدية ضخمة تتحرك فوق قضبان، تصدر دخاناً وضجيجاً وتشق الفضاء الذي اعتاد الناس أن يقطعوه على ظهور الدواب.
تذكر المصادر التاريخية أن القطار وصل يوم 20 ماي 1920 إلى محطة مراكش الخاصة بشبكة الـ60 سم، عند سفح جبل جليز. ولم تكن هذه هي محطة مراكش التي عرفها المراكشيون لاحقاً، بل كانت منشأة مختلفة سبقت المحطة المعروفة.
قطار الـ60 سم.. قطار بطيء لكنه غيّر قواعد المسافة
لم تكن تلك القطارات سريعة وفق معايير اليوم. كانت سرعتها في حدود 15 إلى 20 كيلومتراً في الساعة، وكانت طاقتها محدودة، كما أن شبكة الـ60 سم صممت أساساً لأغراض عسكرية ولوجستية.
لكن أهمية القطار لم تكن في سرعته فقط، إذ ما كان يحتاج إلى ساعات طويلة أو يوماً كاملاً بواسطة الدواب أصبح ممكناً في زمن أقل، وأصبحت البضائع قادرة على الوصول بكميات أكبر، وأصبحت المراكز العسكرية والإدارية مرتبطة ببعضها بطريقة لم تكن ممكنة سابقاً.
وهذا هو المعنى الحقيقي للقطار في بداياته بالمغرب: لم يكن مجرد وسيلة سفر، بل كان أداة لإعادة تنظيم المجال.
مراكش سنة 1920.. مدينة تتغير عند سفح جليز
كان وصول القطار متزامناً مع تحول جليز إلى فضاء جديد خارج المدينة العتيقة.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول محطة للقطار في مراكش بنيت سنة 1923، وأن موقعها كان قريباً من موقع المحطة اللاحقة، في منطقة جليز.
وكان جليز نفسه يتحول تدريجياً من مجال هامشي إلى مركز عمراني واقتصادي جديد، فالقطار لم يدخل إلى مراكش فحسب؛ بل ساهم في إعادة ترتيب المدينة حول محور جديد خارج الأسوار.
في نوفمبر 1928 دخلت مراكش مرحلة جديدة.
فبعد سنوات من تشغيل شبكة الـ60 سم، وصلت السكة العادية إلى المدينة، وأصبحت مراكش مرتبطة بالشبكة الحديدية ذات القياس المعياري.
وتشير وثائق تاريخية إلى أن الافتتاح الرسمي لخط الدار البيضاء ـ مراكش جرى خلال نوفمبر 1928، بينما بدأ فتح الخط للركاب على مراحل، مع توقف العمل على خط الـ60 سم بين القايد التونسي ومراكش.
وهنا بدأ الفرق بين «قطار عسكري يصل إلى مراكش» و«قطار مدني يجعل مراكش جزءاً من شبكة وطنية».
فلم يعد القطار مجرد وسيلة لنقل المعدات، بل أصبح وسيلة لنقل الأشخاص والبضائع، وساهم في توسيع دائرة الحركة التجارية والسكانية.
السكة ترسم خريطة جديدة لمراكش
لم تكن السكة تمر في مراكش مروراً عابراً. لقد خلقت مسارات جديدة داخل المدينة، وربطت المحطة بالمناطق الصناعية والمخازن ومواقع استخراج مواد البناء.
وكانت خطوط فرعية تخدم المنطقة الصناعية جنوب غرب جليز، فيما ارتبطت بعض المسارات بنقل الأحجار المستخرجة من جبل جليز، وهو الجبل الذي كان يوفر مواد البناء للمدينة الجديدة.
ومن هناك أخذت السكة مسارات داخل المجال الحضري، لتقترب من مناطق أصبحت لاحقاً من أكثر الأماكن شهرة في مراكش.
كان القطار يمر عبر محيط جليز، ثم يتجه في مسارات مختلفة قرب الشوارع التي أصبحت اليوم جزءاً من شبكة المدينة الحديثة، قبل أن يقترب من منطقة الحارثي وساحة جامع الفنا.
وبذلك كان صوت القطار، في مرحلة من المراحل، جزءاً من المشهد اليومي لمراكش؛ ليس خارج المدينة فقط، بل داخل نسيجها العمراني.
حين كانت السكة تصل إلى قلب المدينة
من أكثر ما فقدته الذاكرة المراكشية المعاصرة أن القطار لم يكن دائماً محصوراً في المحطة الحالية.
فالمسارات القديمة كانت تخترق أجزاء من المجال الذي يعرفه المراكشيون اليوم بأسماء مختلفة، وكانت هناك منشآت ومحطات ومستودعات مرتبطة بنقل البضائع.
وفي محيط جليز، ارتبطت السكة بالمعامل والمخازن، فيما كانت خطوط أخرى تخدم نقل مواد البناء.
ثم اقترب مسار القطار من منطقة الحارثي، واتجه في اتجاه المدينة، قبل أن يقترب من محيط جامع الفنا.
وهنا تتحول السكة من مجرد «بنية تحتية» إلى أثر حضري: شوارع اليوم تخفي تحت ذاكرتها مسارات قطار كان يمر منها قبل أن تختفي القضبان وتتحول الطرق والمباني إلى المشهد الذي نعرفه.
من «طانجي فاس» إلى مراكش
أما اسم «طانجي فاس» فارتبط بخط طنجة ـ فاس، الذي كان مشروعاً مختلفاً عن شبكة مراكش ـ الدار البيضاء العسكرية الأولى.
وقد تأسست شركة السكك الحديدية الفرنسية الإسبانية الخاصة بخط طنجة ـ فاس سنة 1916، بينما اكتمل الربط تدريجياً خلال عشرينيات القرن الماضي. ويظهر هذا المسار في الوثائق الرسمية للمرحلة باعتباره مشروعاً له شركة فرنسية ـ إسبانية خاصة.
لذلك لم يكن «طانجي فاس» اسماً عاماً لكل قطار مغربي، بل اسماً شعبياً لخط محدد أصبح حاضراً بقوة في المخيلة المغربية.
القطار غيّر مراكش أكثر مما غيّر طريقة السفر
عندما وصل أول قطار إلى مراكش سنة 1920، لم يكن أحد يعرف على الأرجح أن تلك الآلة ستترك أثراً يتجاوز محطة الوصول.
لكن القطار ساهم في ظهور مراكش جديدة.
مراكش التي أخذت جاذبيتها الاقتصادية تمتد نحو جليز، ومراكش التي أصبحت أكثر اتصالاً بالدار البيضاء والمدن الشمالية، ومراكش التي صار فيها وصول المسافر من خارج المدينة مرتبطاً بالمحطة بدل القافلة.
وبعد قرابة قرن، تبدلت القاطرات، واختفت خطوط الـ60 سم، وتغيرت المحطات، ثم جاءت المحطة الجديدة التي دخلت الخدمة سنة 2008، لتصبح محطة مراكش الحديثة جزءاً من صورة المدينة المعاصرة. وتعود المحطة السابقة، بحسب سجلات معمارية محفوظة، إلى سنة 1923 وظلت قائمة في الخدمة حتى افتتاح المحطة الجديدة.
لكن تحت الإسفلت والمباني والشوارع، لا تزال هناك مراكش أخرى؛ مراكش التي كانت تسمع صفير القطار وهو يقترب من جليز، وترى الدخان يتصاعد فوق المدينة، ويتجمع أهلها لمشاهدة «بابور البر» الذي جاء من بعيد.
كان القطار يومها آلة غريبة تهتز لها الأرض. وبعد قرن تقريباً، أصبح جزءاً من ذاكرة المدينة نفسها.
وإذا كان «التران» قد غيّر طريقة سفر المراكشيين، فإن الأهم أنه غيّر أيضاً طريقة توسع مراكش، وطريقة اتصالها ببقية المغرب، وطريقة دخولها إلى زمن جديد كان فيه الحديد يرسم، بصمت، خريطة المدينة المقبلة.
المصدر: أرشيف المراكشية