المراكشية : خاص
يتوقف المفكر الأكاديمي، وعالم الاجتماع المصري البارز عبد الوهاب المسيري عند فضاء جامع الفنا باعتباره أكثر من مجرد ساحة شعبية للفرجة، بل نموذجا حيا لشكل مسرحي عربي أصيل نشأ من قلب الثقافة الشعبية والشفوية. ففي الحلقة، لا توجد خشبة تفصل بين الممثل والجمهور، ولا ستائر أو ديكورات معقدة، وإنما فضاء مفتوح يصنع فيه “الحلايقي” العرض بالكلمة والصوت والحركة والارتجال.

ويرى المسيري أن “الحلايقي” ليس مجرد راوٍ للحكايات، بل فنان شعبي يمتلك قدرة استثنائية على تحويل السرد إلى مشهد حي نابض بالحركة والتفاعل. فالحكاية عنده لا تُروى فقط، بل تُجسَّد عبر تغير نبرات الصوت والإشارات والحركات واستدعاء خيال الجمهور. ومن أكثر المشاهد التي استوقفت المسيري طريقة رواية الحلايقية لقصة “سيدنا علي والثعبان”، حيث يبدأ الحكواتي بصوت هادئ قبل أن يرفع نبرته تدريجيا وهو يصف خروج الثعبان الضخم من بين الصخور ونفثه للسم، ثم يتحول صوته وحركاته ليجسد بطولة سيدنا علي وهو يواجهه بسيفه وسط خوف الناس وذهولهم.
وكان الحلايقي يقول بأسلوبه الشعبي:
“كان يا ما كان، حتى كان، في قديم الزمان، خرج ثعبان عظيم يرعب الناس ويقطع الطريق، فهرب الجميع وهم يصيحون: لا أحد يقدر عليه إلا علي بن أبي طالب. فتقدم علي بسيفه ذو الفقار، ونادى الثعبان أن يبتعد عن الناس، لكنه ازداد شراسة، فدار بينهما قتال طويل حتى ضربه علي ضربة قوية أسقطته أرضا، فعاد الناس يهللون: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار.”
ويشير المسيري إلى أن قيمة هذا المشهد لا تكمن فقط في الحكاية نفسها، بل في طريقة الأداء الشفهي والارتجال والتفاعل الجماعي الذي يحول السرد إلى فرجة حية يشارك فيها الجمهور بالدهشة والتعليقات والانفعالات. فالمتلقي داخل الحلقة لا يبقى متفرجا سلبيا، بل يصبح جزءا من العرض، وهو ما يمنح الحلقة الشعبية طابعها المسرحي الخاص.
ومن خلال هذا النموذج، يؤكد المسيري أن الحلقة في جامع الفنا تمثل شكلا مسرحيا عربيا يختلف عن المسرح الغربي الكلاسيكي الذي تطور داخل قاعات مغلقة تعتمد على النص المكتوب والإخراج المنظم والتقنيات الحديثة. أما المسرح الشعبي العربي فقام على الشفوية والارتجال والاتصال المباشر بالناس، وظل مرتبطا بالحياة اليومية والذاكرة الجماعية والقيم الثقافية للمجتمع.
ومن هنا اعتبر المسيري أن الحلقة والحلايقية في جامع الفنا يكشفان أن الثقافة العربية امتلكت أشكالا مسرحية أصيلة قادرة على إنتاج فرجة فنية متكاملة، دون الحاجة إلى استنساخ النموذج الغربي أو الذوبان فيه.