المراكشية: نورالدين بلحاج
من مفارقات اليوم الأول لمشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة أن عدداً من الوجوه التي خاضت الانتخابات الأخيرة بخطاب تنافسي حاد، وتبادلت خلال الحملة الانتخابية الاتهامات والانتقادات، وجدت نفسها، بعد أيام قليلة من إعلان النتائج، تجلس إلى الطاولة نفسها للتفاوض حول تشكيل حكومة جديدة.

رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، استهلت اليوم الأربعاء 30 شتنبر، مشاوراتها باستقبال وفد التجمع الوطني للأحرار، برئاسة محمد شوكي وعضوية راشيد الطالبي العلمي ومحمد بوسعيد، وكان في استقبال الوفد من جانب حزب الأصالة والمعاصرة عدد من قيادات الحزب، من بينهم عبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع وأحمد أخشيشن.
المشهد لا يخلو من دلالات تبدو متناقضة فالوجوه التي كانت إلى وقت قريب، في خندق المنافسة الانتخابية، تتبادل الاتهامات وتقدم للرأي العام روايات مختلفة حول تدبير الشأن العام وممارسات الخصوم، أصبح عندها عادي اليوم م ان تجلس بينها، وأن تبحث عن أرضية مشتركة لتشكيل حكومة واحدة.
فما قيل أمام الناخبين خلال الحملة الانتخابية لم يكن مجرد نقاش داخلي بين الأحزاب، بل كان موجهاً إلى الرأي العام بهدف التأثير في اختياراته الانتخابية. ولذلك فإن الانتقال، بعد ظهور النتائج، من اتهام الخصم إلى التفاوض معه حول المشاركة في الحكومة يضع الأحزاب أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على تفسير هذا التحول للرأي العام.
إن السؤال هنا كيف يمكن تقديم هذا الاتفاق للناخبين، هل ستعتبر الاتهامات التي أطلقت خلال الحملة جزءاً من المنافسة الانتخابية وانتهت بانتهاء الاقتراع؟ أم أن هذه الملفات يفترض أن تظل حاضرة عند تحديد طبيعة التحالفات المقبلة؟ علما ان فوزي لقجع من قال إنهم (“أي الأحرار”) حوّلوا فرحة عيد الأضحى إلى قلق للأسر المغربية بل وصفهم بـ«الإرهابيين الحقيقيين»، في سياق حديثه عن ما أصبح يعرف إعلامياً بـ«فراقشية الأغنام».
وإذا انتهت المشاورات إلى جمع أطراف كانت تتبادل الاتهامات في حكومة واحدة، فإن السؤال سيبقى مفتوحاً حول الحدود الفاصلة بين المنافسة الانتخابية والموقف السياسي المبدئي. كما سيصبح على الأطراف المعنية أن تقدم للرأي العام تفسيراً مقنعاً للانتقال من خطاب الأمس إلى تفاهمات اليوم، حتى لا يبدو أن ما قيل للناخبين أثناء الحملة كان مجرد خطاب ظرفي ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
ولعل المفارقة الأبرز في مشهد اليوم أن الانتخابات، التي يفترض أن تحسم مواقع الأحزاب أمام الناخبين، لم تنه الخصومة بينها بقدر ما نقلتها إلى مرحلة جديدة. خصوم الأمس يجلسون الآن إلى الطاولة نفسها، وكل طرف يحمل معه حصيلته الانتخابية وخطابه السابق، ويحاول في الوقت ذاته التفاوض على موقعه داخل الحكومة المقبلة.