الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

مراكش في معجم كولان /4.. ذاكرة مدينة كانت تعيش تفاصيلها في الأسواق والدروب والساحات

المراكشية: خاص

لم ينظر الباحث الفرنسي جورج س. كولان إلى مراكش باعتبارها مجرد مدينة عتيقة، بل رآها فضاء لغويا نابضا بالحياة، تتداخل فيه الأسواق والأحياء والحرف والعلاقات الاجتماعية لتنتج معجما يوميا يعكس هوية المدينة وسكانها. ومن خلال عمله الميداني الطويل، وثق عشرات المفردات المرتبطة بالمجال العمراني المراكشي، لتتحول صفحات معجمه إلى سجل لذاكرة مدينة كانت تعيش تفاصيلها في الأسواق والدروب والساحات.


وتحتل جامع الفنا مكانة خاصة ضمن هذا العالم اللغوي، ليس فقط باعتبارها أشهر ساحات مراكش، بل فضاء يلتقي فيه التجار والحرفيون والحكواتيون والعازفون وباعة المأكولات الشعبية. ومن خلال اللغة المتداولة في هذا الفضاء، رصد كولان مفردات مرتبطة بالتجارة والمهن والعلاقات اليومية، مما جعل الساحة جزءا من المشهد اللغوي الذي وثقه.
كما اهتم الباحث بالمفردات المرتبطة بـالرحبات، وهي الساحات التجارية المتخصصة التي كانت تستقبل أنواعاً مختلفة من السلع، مثل الحبوب والتوابل والجلود. وكانت الرحبة تمثل قلب النشاط الاقتصادي والاجتماعي، حيث تتشكل لغة خاصة بالتجار والوسطاء والزبائن، وهو ما حرص كولان على تسجيله في معجمه.
أما القيساريات، فقد ظهرت في المعجم باعتبارها الأسواق المسقوفة التي تضم محلات التجار والصناع التقليديين. وفي هذه الفضاءات كانت تتداول مفردات خاصة بالنسيج والجلد والمعادن والصناعات التقليدية، وهي كلمات تشكل جزءا من الذاكرة المهنية لمدينة مراكش.
ولم تغب الدروب والزنقات عن اهتمام كولان، إذ وثق الألفاظ التي يستعملها المراكشيون لوصف الأزقة والأحياء، باعتبارها وحدات اجتماعية قبل أن تكون مجرد فضاءات عمرانية. فكل درب كان يمثل مجالا للتعارف والتكافل، وتتشكل داخله مفردات مرتبطة بالجيرة والعلاقات اليومية.
كما خصص مساحة للمرافق التقليدية مثل الفران، وهو الفرن الجماعي الذي كان سكان الأحياء يقصدونه لطهي الخبز، والفندق الذي كان يؤدي وظيفة اقتصادية تتمثل في استقبال التجار وتخزين البضائع، وليس الفندق السياحي بالمفهوم الحديث. وسجل كذلك مفردات مرتبطة بـالسويقة، وهي السوق الصغيرة التي كانت تلبي حاجيات سكان الحي، وبـالملاح باعتباره أحد المكونات التاريخية للمدينة.
وتبرز هذه المفردات أن كولان لم يكن يوثق الكلمات بمعزل عن محيطها، بل كان يوثق المدينة نفسها من خلال لغتها. فكل لفظة كانت تحمل في طياتها صورة لمكان أو حرفة أو عادة اجتماعية، وهو ما يجعل معجمه اليوم مرجعا لا لدراسة الدارجة المغربية فحسب، بل أيضا لفهم تاريخ مراكش وحياتها اليومية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وهكذا، تبدو مراكش في معجم كولان مدينة تُقرأ بالكلمات كما تُشاهد بالعين؛ مدينة تحفظ أسواقها ودروبها وساحاتها ذاكرة لغوية لا تزال كثير من مفرداتها حاضرة في الحديث اليومي للمراكشيين، شاهدة على استمرارية تراث لغوي وثقافي يمتد عبر الأجيال.

arArabic