الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاثمراكش الذاكرة

المؤرخ محمد لومة .. شهادات موثقة للدور الاستراتيجي ل”مكتبة الشعب” بمراكش في صياغة تاريخ المغرب

للمراكشية: نورالدين أيمان

تُشكل الذاكرة التاريخية لمدينة مراكش خزانًا حافلاً بالمحطات النضالية التي ساهمت في صياغة تاريخ المغرب الحديث. ومن بين أبرز هذه المحطات التي وثقها المؤرخ والكاتب *محمد لومة*، تبرز “مكتبة الشعب” الكائنة بحومة “القصور” العتيقة، وصاحبها الوطني *محمد بلحاج الكتبي* برفقة رفيقه *المهدي العاصمي*، كنموذج للمؤسسات الثقافية التي سخرت إمكانياتها لخدمة الكفاح المسلح والحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.

مكتبة الشعب .. وفي الصورة الكاتب العالمي الصديق خوان غويتصولو

يرصد هذا التقرير، استناداً إلى الشهادات التاريخية الموثقة، الدور الاستراتيجي الذي لعبته هذه المعلمة المراكشية في مسار مقاومة الحماية الفرنسية.

أولاً: التأسيس والسياق التاريخي
تأسست “مكتبة الشعب” في عام *1941* بقلب حي القصور، وهو موقع استراتيجي يتميز بقربه من ساحة جامع الفنا الشهيرة. وقد انطلق المشروع بمبادرة من الوطنيين محمد بلحاج الكتبي والمهدي العاصمي (المنتميين لحزب الاستقلال)، في ظرفية تاريخية اتسمت بتصاعد الوعي السياسي والمطالبة بالاستقلال.
تميزت البنية المادية للمكتبة بصغر حجمها، حيث لم تكن مساحتها تتعدى *مترين مربعين*، إلا أنها شكلت من الناحية الوظيفية مركزاً محورياً للاستقطاب والتوجيه الثقافي والسياسي.
# ثانياً: الثنائية الوظيفية (الغطاء والنشاط السري)
حسب توثيق المؤرخ محمد لومة، اعتمدت مكتبة الشعب في تدبير نشاطها النضالي على إستراتيجية “الثنائية الوظيفية” لتضليل أجهزة الاستخبارات الفرنسية (الـ دوزيام بورو):
1. *النشاط المعلن (الثقافي):

* تمثل في بيع الكتب الفقهية، التراثية، والأدبية، إلى جانب توفير الصحف والمجلات القادمة من المشرق العربي ومن شمال المغرب (منطقة النفوذ الإسباني). وكان الهدف الظاهري هو محاربة الأمية ونشر الوعي.
2. *النشاط السري (السياسي والعسكري):*

وظفت المكتبة كغطاء آمن لعمليات الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة. وقد شملت هذه الأدوار:
* تحويل الدكان إلى مركز بريد سري لتبادل الرسائل والتقارير بين خلايا المقاومة.
* تخزين وتوزيع المنشورات السياسية المناهضة للاستعمار.
* تأمين مكان آمن لعقد اللقاءات السرية وتحديد المواعيد بين الفدائيين.
# ثالثاً: حومة القصور كقاعدة خلفية للنخبة الوطنية
لم يقتصر دور المكتبة على المعاملات التجارية أو السرية المغلقة، بل تحول الفضاء المحيط بها في حومة القصور إلى ما يشبه “النادي السياسي والأدبي” اليومي.
وقد سجلت التقارير التاريخية تردد قادة بارزين من النخبة الوطنية والمثقفة على هذا الفضاء، ومن بينهم:

*عبد الله إبراهيم: المقاوم والسياسي البارز ورئيس الحكومة المغربية لاحقاً.

عبد القادر حسن: زعيم الحركة الوطنية في مراكش وموقع على وثيقة الاستقلال

 مولاي أحمد المنجرة: أحد أقطاب الحركة الوطنية في مدينة مراكش.
 محمد بن إبراهيم (شاعر الحمراء)، والفقيه المكي الصبان، واللذان ساهما في شحن الهمم عبر الكلمة والفكر.
ساهم هذا التجمع في توفير بيئة حاضنة للنقاشات السياسية وصياغة المواقف الوطنية، بدعم وتحصين من التجار وسكان الحي المجاورين الذين شكلوا حزام أمان لرصد تحركات عناصر الأمن الفرنسي.
# رابعاً: التبعات الأمنية وضريبة النضال
نتيجة لهذا النشاط المكثف، رصدت سلطات الحماية الفرنسية خطورة التحركات المرتبطة بمكتبة الشعب. وبناءً عليه، تعرض صاحب المكتبة محمد بلحاج الكتبي ورفيقه المهدي العاصمي لسلسلة من التضييقات الأمنية، شملت الاعتقال، والتحقيق، والتنكيل، والتي توجت بأوامر إدارية تقضي بنفيهما خارج مدينة مراكش صوب مناطق نائية (من بينها منطقة دمنات)، بهدف عزل الأخلاف وتفكيك شبكة الربط التي كانا يديرونها.
# خامساً: المآل الحالي للمكتبة
على الرغم من القيمة التاريخية والأثرية للمكتبة، والتي جعلتها طوال عقود محط اهتمام زوار دوليين ومثقفين بارزين كالعالمي *خوان غويتصلو*، إلا أن التحولات العقارية والتجارية التي شهدتها المدينة العتيقة بمراكش أدت إلى تغيير معالم المكان.
وقد أسفرت هذه التحولات في السنوات الأخيرة عن بقاء المكتبة بعد تحويلها الى مقهى أدبي، وهو مايجعلها حسب عدد من الشهادات استمرارية لحفظ هذا الإرث الوطني من النسيان.

arArabic