المراكشية : القسم الثقافي
حين نتحدث اليوم عن موكب الشموع في ذكرى المولد النبوي، تتجه الذاكرة المغربية مباشرة إلى مدينة سلا، حيث أصبح الموكب واحداً من أشهر تقاليد المدينة، تجوب خلاله الشموع المزخرفة شوارع سلا القديمة وسط الأمداح والموسيقى والطبول، قبل أن تصل إلى فضاء الاحتفال المرتبط بضريح مولاي عبد الله بن حسون.

لكن المفاجأة أن حكاية الشموع أقدم من سلا، وأن بدايتها ارتبطت بمراكش في عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي. ففي أواخر القرن السادس عشر، وبعد أن أصبح المنصور سلطاناً للمغرب، جعل من الاحتفال بالمولد النبوي مناسبة كبيرة تليق بمكانة الدولة السعدية، وأدخل إليها موكب الشموع، مستعيناً بصناع مهرة من مراكش وسلا وفاس لصناعة هياكل شمعية كبيرة ومزخرفة. وتعود هذه البداية إلى سنة 986هـ، أي في السنوات الأولى من حكم المنصور.
وكانت مراكش وقصر البديع في قلب هذا الاحتفال. فالشموع لم تكن مجرد قطع صغيرة توضع للإنارة، وإنما كانت أعمالاً فنية كبيرة تحملها مجموعات من الحمالين في موكب تشارك فيه فرق الذكر والإنشاد، وسط تجمع سكان المدينة لمشاهدة هذا المشهد الاستثنائي. ثم تتجه الشموع نحو القصر، حيث تستكمل الاحتفالات بحضور السلطان، في أجواء تجمع بين المديح النبوي والشعر والموسيقى والولائم والعطاء.
ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت الشموع من احتفال سلطاني في مراكش إلى تقليد شعبي ارتبط لاحقاً بسلا. فقد حافظت سلا على هذا التقليد وطورته عبر الزمن، وأصبح لها موكبها الخاص وهياكلها الشمعية المميزة ومساراتها وطقوسها التي ما زالت حاضرة إلى اليوم.
وهكذا، فإن سلا لم تبدأ حكاية الشموع من الصفر، بل احتضنت تقليداً كان مرتبطاً بالاحتفال السلطاني في العصر السعدي، قبل أن تمنحه مع مرور الزمن شخصية سلاوية خاصة. وما نراه اليوم في شوارع سلا من شموع ضخمة مزخرفة ومواكب وطبول وأمداح هو امتداد حي لذاكرة احتفالية تعود إلى زمن المنصور الذهبي.
لكن كيف كان ذلك الاحتفال في مراكش نفسها؟ وكيف كانت شموع المولد تدخل قصر البديع؟ وأين كان يجلس السلطان أحمد المنصور؟ ومن كان يحيي تلك الليلة؟ وماذا كان يقدم للضيوف والعلماء والشعراء؟ وكيف كان ينتهي الاحتفال؟
هذه هي الحكاية التي سنعود إليها في الحلقات المقبلة، لنفتح من جديد أبواب قصر البديع ونستعيد ليلة من ليالي مراكش التي كانت فيها الشموع، قبل أن تصبح عنواناً لذاكرة سلا، وجزءاً من مشهد سلطاني مذهل في عاصمة السعديين.