الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

جامع الفنا والأسواق القديمة.. 10/ حين كانت الساحة قلباً وامتدادا تجارياً لمراكش

المراكشية: إعداد القسم الثقافي
قبل أن تصبح جامع الفنا عنواناً للسياحة في مراكش، كانت جزءاً من اقتصاد المدينة اليومي. لم يكن القادم إليها يذهب بالضرورة بحثاً عن الحكواتي أو الموسيقى؛ كان يمكن أن يأتي للبيع والشراء، أو للقاء، أو لمتابعة ما يجري في السوق، ثم يجد نفسه وسط حلقة من حلقات الفرجة.


ولهذا فإن تاريخ جامع الفنا لا يمكن فصله عن تاريخ أسواق مراكش القديمة. فالساحة والأسواق المحيطة بها لم تكن فضاءات منفصلة، وإنما أجزاء من شبكة تجارية واجتماعية تشكلت مع نمو المدينة.
من السوق إلى الساحة
تقدم لنا شهادات الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر صورة واضحة عن هذه الوظيفة. فقد تحدث أوسكار لينز، الذي زار مراكش سنة 1880، عن وجود سوق أسبوعي يوم الجمعة في جامع الفنا، إلى جانب سوق الخميس الذي كان أكبر حجماً ويستقطب القادمين من مناطق بعيدة. كما يذكر أن التجارة كانت حاضرة في الساحة خلال بقية أيام الأسبوع أيضاً.
وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يكشف أن جامع الفنا لم تكن مجرد مكان للترفيه المسائي. السوق كان جزءاً أصيلاً من شخصية الساحة. 
ويؤكد جوزيف طومسون، الذي وصل إلى مراكش سنة 1888، هذه الصورة من زاوية أخرى. فقد وصف سوق الجمعة باعتباره مكاناً يقصده أهل المدينة بعد انحسار حرارة النهار، حيث يجدون التجارة واللقاء والترفيه والموسيقى والقراءة في فضاء واحد. ونشرت «المراكشية» في الحلقة السابقة من السلسلة خلاصات شهادته حول هذا المشهد. 
وهنا تظهر خصوصية مراكش القديمة: لم يكن هناك فصل حاد بين السوق والفرجة.
التاجر يبيع، والمشتري يتجول، والعابر يتوقف، والحكواتي يبدأ روايته، والموسيقي يجذب جمهوره؛ وكل ذلك يحدث في فضاء واحد.
الأسواق التي كانت تمتد من الساحة
إذا ابتعدنا قليلاً عن جامع الفنا في اتجاه الشمال، ندخل إلى شبكة الأسواق القديمة التي أصبحت من أشهر مكونات المدينة العتيقة.
وتشير الدراسات الخاصة بالبنية الحضرية لمراكش إلى أن المحور الرئيسي للأسواق يمتد من منطقة جامع الفنا شمالاً نحو قلب المدينة القديمة، وصولاً إلى محيط جامع ابن يوسف. وقد تخصصت أجزاء من هذه الأسواق تاريخياً بحسب الحرف والبضائع: والأقمشة، والجلود، والتوابل،والمعادن، والصباغة وغيرها. 
وهكذا كانت الساحة بمثابة الواجهة المفتوحة لعالم تجاري أكثر تعقيداً يمتد خلفها.
كان القادم من جامع الفنا يستطيع أن يدخل إلى الأسواق المسقوفة، حيث تتغير طبيعة المكان شيئاً فشيئاً: من فضاء واسع مفتوح إلى أزقة ضيقة، ومن تجمع كبير إلى دكاكين وورشات صغيرة، ومن الفرجة العامة إلى العمل الحرفي.
لكن الاثنين كانا مرتبطين.
السوق الذي يتحول إلى مسرح
هذه العلاقة بين السوق والفرجة ليست مجرد تفصيل في تاريخ جامع الفنا.
إنها ربما أحد أسرار بقائها.
فلو كانت الساحة مخصصة للفرجة وحدها، لكان تغير وسائل الترفيه قادراً على إنهاء وظيفتها.
لكنها كانت في الوقت نفسه مكاناً للتجارة واللقاء والعبور، ولذلك ظلت تستقبل الناس حتى عندما تغيرت أشكال الفرجة.
وتشير الدراسات حول تاريخ الساحة إلى أن جامع الفنا احتفظت بدورها كسوق مفتوح ومكان للتجمعات والاحتفالات والعروض الشعبية، رغم التغيرات التي عرفتها مراكش عبر القرون.

arArabic