مراكش: إعداد القسم الثقافي
تواصل «المراكشية» سلسلة مقالاتها التاريخية لرصد التحولات التي عرفتها المدينة خلال المرحلة التي أصبحت فيها عاصمة للدولة الموحدية. وبعد تناول دور الهجرة في نمو مراكش وإسهام الوافدين في تكوين جزء من نخبتها، تتوقف هذه الحلقة عند تنوع أصول سكانها ومكونات مجتمعها.

لم تكن مراكش الموحدية مدينة ذات تركيبة سكانية متجانسة، بل تشكل مجتمعها من مجموعات متعددة ساهمت في تعميرها وإعادة تشكيل بنيتها البشرية. وضمت هذه المجموعات قبائل مغربية، ووافدين من المغرب الأوسط وإفريقية والأندلس والمشرق، إلى جانب اليهود والمسيحيين والعبيد الذين تنوعت أصولهم الجغرافية.
وشكلت القبائل المغربية، وخاصة مصامدة الجنوب، القاعدة العريضة لسكان العاصمة. ولم يقتصر حضورها على الجانب الديمغرافي، بل ارتبط أيضاً بحاجات الدولة الموحدية الناشئة إلى قاعدة بشرية تدعم الحكم الجديد وتساهم في تأمينه. ومن بين القبائل التي ارتبطت بهذه المرحلة هرغة وهنتاتة وكنفيسة وكدميوة، فضلاً عن أهل تنمل وصنهاجة وهسكورة.
ومن المغرب الأوسط وإفريقية، استقرت بمراكش قبيلة كومية الزناتية، التي دخلت المدينة سنة 557هـ/1162م، إلى جانب أسر قدمت من تلمسان ووهران والمهدية وتونس. وتنوعت دوافع انتقال هذه الأسر بين الارتباط بالوظائف المخزنية والاشتغال بالعلم، ما جعل بعضها يندمج في الحياة الإدارية والعلمية للعاصمة.
وسجل الأندلسيون حضوراً بارزاً في المجتمع المراكشي، تجلى في الاستقرار بالأحياء وفي تولي مهام إدارية وقضائية وعلمية وطبية، فضلاً عن المشاركة العسكرية ضمن ما عرف بـ«جند الأندلس». كما ارتبط بهم اسم حومة السبتيين، التي كان أغلب سكانها، بحسب المعطيات الواردة، من أهل الأندلس وسبتة. ويعكس هذا الحضور قوة الروابط البشرية بين العاصمة الموحدية ومجالات الأندلس وسبتة.
وضمت مراكش أيضاً عناصر ذات أصول مشرقية، من بينها العرب والغز وأفراد من أصول فارسية وتركية. وتفاوتت أسباب وجودهم بين الخدمة العسكرية والرحلة في طلب العلم، مع احتمال ارتباط بعض الحالات بالاسترقاق. ولا تتوفر معطيات كافية لتحديد الحجم الديمغرافي لهذه المجموعات بدقة، خصوصاً العناصر الفارسية والتركية التي يبدو أن حضورها كان محدوداً.
وكان اليهود والمسيحيون جزءاً من هذا التنوع، وإن اختلفت ظروف وجود كل مجموعة. فقد ارتبط حضور المسيحيين بالخدمة العسكرية، بينما ظل حجم الوجود اليهودي في بداية الحكم الموحدي غير واضح. ومع تطور النشاط التجاري للمدينة، برزت مؤشرات على أهمية الحضور اليهودي، وتورد المصادر التاريخية إشارة إلى سقوط عدد كبير من يهود مراكش خلال أحداث سنة 629هـ/1232م.
أما العبيد، فقد شكلوا مكوناً آخر من مكونات المجتمع، من دون أن يجمعهم أصل جغرافي واحد. وتنوعت مصادر وصولهم بين أسر الحروب والتجارة مع السودان وغيرها من القنوات المرتبطة باتساع مجال الدولة الموحدية. وتوزعت أدوارهم بين الخدمات المنزلية والاجتماعية والعمل العسكري، بما في ذلك خدمة المخزن، كما عرفت المدينة نشاطاً في تجارة الرقيق.
وتكشف هذه المكونات عن مدينة تشكلت من تفاعل السكان المحليين مع القبائل الوافدة والأسر المستقرة والجنود والعلماء وغيرهم من الجماعات. ولم يكن هذا التنوع منفصلاً عن وظيفة مراكش السياسية، بل ارتبط بحاجات العاصمة إلى القوة العسكرية والموارد البشرية والخبرات الإدارية والعلمية، فضلاً عن دورها التجاري والعمراني.
ولا تسمح المعطيات المتاحة بتحديد النسب الدقيقة لكل مجموعة أو قياس حجمها مقارنة ببقية السكان، لكنها تتيح رسم صورة واضحة عن تعدد الأصول والانتماءات داخل المجتمع المراكشي. فقد كانت العاصمة فضاءً يلتقي فيه المحلي بالوافد، وتتداخل داخله خلفيات جغرافية ودينية ومهنية مختلفة.
وهكذا لم تتشكل مراكش الموحدية من جماعة واحدة، بل من نسيج بشري متنوع ساهم في بناء مجتمع العاصمة وتوسيع وظائفها. ويقدم هذا التنوع مدخلاً أساسياً لفهم تاريخ المدينة، ليس باعتبارها مركزاً للحكم فحسب، بل باعتبارها أيضاً مجالاً لاستقرار جماعات متعددة واندماجها في الحياة الحضرية.
المصدر: من أطروحة «مراكش في عهد الموحدين» للأستاذ محمد رابطة الدين، بتصرف.