الصفحة الرئيسيةمراكش الذاكرة

من الأندلس إلى مراكش.. كيف صنع الوافدون جزءاً من نخبة العاصمة؟

المراكشية: إعداد هيئة التحرير

تواصل «المراكشية» سلسلة مقالاتها التاريخية حول التحولات التي عرفتها مراكش عندما أصبحت عاصمة للدولة الموحدية ومركزاً سياسياً وعلمياً وعسكرياً استقطب السكان والكفاءات من مناطق مختلفة من الغرب الإسلامي وخارجه.

فالهجرة إلى مراكش لم تكن مجرد انتقال بشري من منطقة إلى أخرى، بل ساهمت في إدخال أسر وأفراد إلى مجتمع العاصمة، ارتبط حضور بعضهم بالوظائف المخزنية، بينما ارتبط حضور آخرين بالعلم والقضاء والطب والجيش. وبذلك أصبحت حركة السكان جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل النخبة التي احتاجتها العاصمة الموحدية.

وتشير المعطيات إلى استقرار أسر في مراكش قدمت من المغرب الأوسط وإفريقية، وكان انتقالها مرتبطاً، في أغلب الحالات، إما بأغراض مخزنية أو بأهداف علمية، وفي بعض الحالات اجتمعت الوظيفتان معاً. على ان المؤشرات تشير إلى استقرارها الدائم في العاصمة.

ومن أبرز الأمثلة أسرة ابن دافال الوردميشي القادمة من تلمسان، والتي اشتهرت بتولي القضاء، إلى جانب أسرة ابن منصور الجنب القادمة من المهدية بإفريقية، والتي استقرت بمراكش وامتلكت مقبرة خاصة بها عند باب تاغزوت. وتكشف هذه الأمثلة عن انتقال لم يكن مؤقتاً، بل تحول إلى استقرار عائلي داخل العاصمة وارتباط بوظائف ومؤسساتها.

وهناك قائمة أخرى لأسر قدمت من مناطق مختلفة، من بينها اللخمي من تلمسان، والهمذاني من وهران، وابن صمغ القرشي من تونس. وتكشف هذه الأسماء عن اتساع المجال الجغرافي الذي كانت مراكش تستقطب منه الأسر والأفراد، خصوصاً من المغرب الأوسط وإفريقية.

ويظهر الحضور الأندلسي بصورة أكثر وضوحاً داخل النسيج الاجتماعي للعاصمة. فقد كان للأندلسيين حضور مهم في مراكش، إلى درجة أن إحدى حومات المدينة، وهي حومة السبتيين، كان أغلب سكانها، بحسب ما تورد الدراسات، من أهل الأندلس وسبتة.

لكن أهمية الحضور الأندلسي لم تتوقف عند الاستقرار داخل الأحياء. فقد ظهر الوافدون من الأندلس في مواقع متعددة من أجهزة المخزن، وفي المهام الإدارية والقضائية والعلمية والطبية، كما شكلوا أحد مكونات الجيش المعروف باسم «جند الأندلس».

وهذا الحضور يكشف جانباً مهماً من وظيفة الهجرة في بناء العاصمة. فمراكش لم تكن تستقبل الأشخاص فقط، وإنما كانت تستقبل معهم خبرات وتجارب ومهارات يمكن توظيفها في إدارة الدولة ومؤسساتها. وكان طبيعياً أن تتحول العاصمة، بحكم مركزيتها السياسية، إلى مجال لاستقطاب العلماء والقضاة والأطباء والموظفين وأصحاب الخبرة العسكرية.

وتشير المعطيات المتعلقة بالأسر الوافدة من المغرب الأوسط وإفريقية إلى أن بعض العائلات ارتبط حضورها بالوظائف المخزنية عبر أكثر من جيل، وهو ما يعكس اندماجها التدريجي في بنية العاصمة وتحولها من جماعات وافدة إلى مكونات مستقرة داخل مجتمعها ونخبها.

وفي المقابل، لم تكن دوافع الاستقرار دائماً مرتبطة بالوظيفة الرسمية. فبعض الوافدين قدموا إلى مراكش لأغراض علمية، وكانت الرحلة في طلب العلم إحدى قنوات انتقال الأشخاص من مناطق بعيدة نحو العاصمة. وتشير الدراسة أيضاً إلى وجود عناصر ذات أصول فارسية وتركية استقرت بمراكش، ولو بأعداد محدودة، وكان من دواعي وصول بعضها طلب العلم.

وتكشف هذه المعطيات أن مراكش الموحدية كانت تستفيد من موقعها كعاصمة على مستويين متداخلين: فهي من جهة تستقطب السكان لتلبية حاجاتها السياسية والعسكرية والإدارية، ومن جهة أخرى تجذب العلماء وأصحاب الاختصاص بحكم مكانتها داخل الدولة الموحدية.

وهكذا تحولت الهجرة إلى إحدى آليات بناء المجتمع الحضري لمراكش. فالوافد الذي دخل المدينة جندياً أو موظفاً أو عالماً أو قاضياً أو طبيباً لم يكن بالضرورة مجرد عابر، بل كان يمكن أن يستقر ويؤسس أسرة ويصبح جزءاً من البنية الاجتماعية والمهنية للعاصمة.

ومن الأندلس إلى تلمسان ووهران والمهدية وتونس، تكشف أسماء الأسر والوظائف التي تقلدها أفرادها أن مراكش الموحدية كانت فضاءً لاستقبال البشر والخبرات في الوقت نفسه. ولذلك فإن أثر الهجرة في تاريخ العاصمة لا يقاس فقط بعدد الوافدين، وإنما أيضاً بالأدوار التي شغلها بعضهم في الإدارة والقضاء والعلم والطب والجيش.

لقد ساهمت هذه الحركة في جعل مراكش مدينة متعددة الأصول والخبرات، وفي تكوين جزء من النخبة التي أدارت شؤون العاصمة الموحدية، بما يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها المدينة داخل المجال السياسي والحضاري للموحدين.

المصدر:  أطروحة «المغرب في عهد الموحدين» للأستاذ محمد رابطة الدين، بتصرف.

arArabic