الصفحة الرئيسيةأخباررأي

في غياب ثقافة التصويت العقابي .. من يحاسب السياسي على وعوده الانتخابية؟

للمراكشية: نورالدين ايمان / جامعة القاضي عياض

تعود الانتخابات، فتعود معها الوعود. تتغير الشعارات، وتتبدل لغة الخطاب وإن لم تتغير الوجوه، لكن شيئاً واحداً يكاد يظل ثابتاً: كلما اقترب موعد الاقتراع ارتفع منسوب الوعود، واتسعت دائرة الانتظارات، وأصبح المواطن أمام برامج انتخابية تقدم له حلولاً لمشاكله اليومية، من الشغل والدخل والسكن والصحة والتعليم، إلى الدعم الاجتماعي وتحسين القدرة الشرائية.

المشكلة ليست في أن تقدم الأحزاب والمرشحون وعوداً؛ فالبرنامج الانتخابي هو في جوهره تعاقد سياسي مع الناخبين. المشكلة تبدأ عندما يتحول الوعد من التزام سياسي قابل للقياس إلى مجرد خطاب انتخابي ينتهي مفعوله بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف يمكن أن نفرض ميثاقاً للوفاء بالوعود الانتخابية، ونرتب جزاءً سياسياً أو مؤسساتياً على عدم تنفيذها، في الوقت الذي لا نتوفر فيه على آليات واضحة للمحاسبة، ولا تزال ثقافة التصويت العقابي محدودة التأثير؟
لقد أظهرت التجربة الانتخابية المغربية أن البرامج الحزبية أصبحت أكثر تفصيلاً، وأن بعض الأحزاب دخلت الانتخابات وهي تقدم التزامات رقمية وزمنية واضحة. ففي انتخابات 2021، مثلاً، قدمت أحزاب الأغلبية برنامجاً لخمس سنوات تضمن خمسة التزامات كبرى، من بينها خلق فرص الشغل، وإصلاح الصحة والتعليم، وتوسيع الحماية الاجتماعية، كما تضمنت بعض تعهداته إجراءات اجتماعية محددة، من قبيل “مدخول الكرامة” لفائدة الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة بقيمة تصل إلى 1000 درهم في أفق 2026.

ولعل أكثر الوعود التي التصقت بذاكرة انتخابات 2021 ذلك التصريح الذي أطلقه قيادي بحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال الحملة الانتخابية، حين تحدث عن إمكانية الرفع من دخل المغاربة بـ2500 درهم قبل نهاية الولاية، في صيغة حملت قدراً كبيراً من التحدي، وصلت إلى القول: «إلا ما تزادتش 2500 درهم… رجموني بالحجر». وقد تحول التصريح منذ ذلك الحين إلى مادة متداولة على نطاق واسع كلما عاد النقاش حول الوعود الانتخابية وحصيلة الحكومة.
واليوم، ونحن أمام انتخابات تشريعية جديدة، يعود النقاش نفسه، لكن في ظروف مختلفة. فالأحزاب التي قادت الحكومة خلال الولاية السابقة أصبحت مطالبة بتقديم حصيلة عن خمس سنوات من التدبير، وبالإجابة عن سؤال جوهري: ماذا تحقق من الوعود السابقة، وماذا لم يتحقق، ولماذا؟

وهنا نصل إلى المشكلة الأصعب: هل يمتلك المواطن المغربي اليوم ثقافة التصويت العقابي بما يكفي لجعل عدم الوفاء بالوعود مكلفاً سياسياً؟
الجواب، في تقديري، ليس إيجابياً بالشكل الكافي.
فالناخب قد يصوت بناءً على الانتماء الحزبي أو العائلي أو المحلي، وقد تؤثر فيه العلاقات الشخصية والخدمات والاعتبارات الانتخابية الضيقة، بينما يظل تقييم البرنامج والحصيلة أقل حضوراً مما ينبغي.
وهذا يعني أن مجرد وضع ميثاق للوعود لن يكون كافياً.
نحن بحاجة أيضاً إلى ثقافة سياسية جديدة تجعل المواطن يسأل المرشح قبل أن يسأله عن وعود المستقبل: ماذا فعلتم بما وعدتم به في الماضي؟

arArabic