المراكشية – نورالدين أيمان/ جامعة القاضي عياض
تتجه الأنظار في مراكش إلى واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية إثارة للترقب في استحقاقات 23 شتنبر المقبل: دائرة مراكش المدينة–سيدي يوسف بن علي، التي لا تملك سوى ثلاثة مقاعد برلمانية، لكنها تضم عدداً من أبرز الأسماء السياسية والحزبية بالمدينة.

وإذا كانت انتخابات 2021 قد رسمت خريطة واضحة بتقاسم المقاعد الثلاثة بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، فإن الترشيحات الحالية تفتح الباب أمام احتمال إعادة ترتيب هذه الخريطة، خصوصاً مع عودة بعض الوجوه التي صنعت المشهد السابق، مقابل دخول أسماء جديدة تراهن على اقتناص أحد المقاعد الثلاثة.
في انتخابات 8 شتنبر 2021، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الدائرة بـ 16 ألفاً و136 صوتاً، وانتزع المقعد الأول بواسطة فاطمة الزهراء المنصوري.
وجاء حزب الاستقلال في المرتبة الثانية بـ 11 ألفاً و361 صوتاً، ليحصل عبد العزيز الدرويش على المقعد الثاني.
أما التجمع الوطني للأحرار، فحل ثالثاً بـ 8753 صوتاً، وحصل على المقعد الثالث بواسطة يونس بنسليمان. وهكذا توزعت المقاعد الثلاثة بين ثلاثة أحزاب، في نتيجة عكست تعدد مراكز القوة داخل الدائرة.
المنصوري.. الدفاع عن الصدارة
يبدو حزب الأصالة والمعاصرة في وضعية الدفاع عن المقعد الذي حصل عليه في 2021، بعدما اختار الحزب مجدداً فاطمة الزهراء المنصوري لقيادة لائحته أو لنقل ان المنصوري اختارت نفسها لخوض الانتخابات في هذه الدائرة.
فالمنصوري لا تدخل السباق باعتبارها اسماً حزبياً فقط، وإنما باعتبارها واحدة من أكثر الشخصيات ارتباطاً بالمشهد السياسي المحلي في مراكش، وأكثر شخصية أثير إسمها في كثير من الأحداث والقضايا خلال الولاية السابقة التي قضتها وزيرة، وهو ما يمنح ترشيحها وزناً خاصاً داخل دائرة تعرف جيداً الأسماء التي تخوض منافساتها.
والسؤال بالنسبة إلى «البام» لن يكون فقط: هل ستفوز المنصوري؟، وإنما أيضاً: هل تستطيع الحفاظ على المرتبة الأولى التي حققها الحزب في 2021؟ باعتبار أن الاحتفاظ بالمقعد لن يكون مهمة سهلة، في ظل تعدد المنافسين وتغير الأسماء والرهانات مقارنة بانتخابات 2021.
الدرويش.. معركة الحفاظ على المقعد
في الجهة المقابلة، يدخل حزب الاستقلال الاستحقاق بالرهان نفسه تقريباً: الدفاع عن المقعد الذي انتزعه في 2021.
وقد جدد الحزب ثقته في عبد العزيز الدرويش، الذي كان ثاني الفائزين في الانتخابات السابقة بـ11 ألفاً و361 صوتاً.
وتكمن أهمية ترشيح الدرويش في أن الاستقلال لا يبدأ هذه المرة من الصفر، بل يدخل السباق وهو يتوفر على تجربة انتخابية وبرلمانية حديثة داخل الدائرة.
«الأحرار».. المقعد نفسه ولكن بوجه جديد
وربما تكمن إحدى أبرز نقاط التحول في دائرة 2026 في وضعية التجمع الوطني للأحرار.
فالحزب الذي حصل على المقعد الثالث سنة 2021 بواسطة يونس بنسليمان، يدخل هذه المرة باسم جديد هو سعيد الكورش، وهنا يطرح السباق سؤالاً مختلفاً عن وضعيتي «البام» والاستقلال: هل يستطيع التجمع الوطني للأحرار الاحتفاظ بالمقعد، رغم تغيير وكيل اللائحة؟
فنتيجة 2021 كانت مرتبطة باسم بنسليمان، الذي كان أصلاً من الوجوه المعروفة داخل حزب العدالة والتنمية قبل انتقاله إلى «الأحرار». أما اليوم، فيُطلب من الكورش الحفاظ على موقع الحزب داخل دائرة أثبتت في السابق أنها قادرة على تغيير خريطتها بسرعة.
العدالة والتنمية.. محاولة العودة من الباب الصعب
ومن بين أبرز الأسماء التي ستخوض السباق هذه السنة صلاح الدين عياش، وكيل لائحة حزب العدالة والتنمية.
ويدخل الحزب المنافسة وهو خارج الخريطة البرلمانية للدائرة منذ انتخابات 2021، ما يجعل رهانه مختلفاً عن رهانات الأحزاب الثلاثة التي فازت بالمقاعد, فـ«العدالة والتنمية» لا يدافع عن مقعد، وإنما يحاول استعادة مقعد مفقود.
وهذا يجعل ترشيح عياش اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على إعادة بناء حضوره داخل الدائرة، خصوصاً أن المنافسة لن تكون فقط مع الأحزاب التي كانت موجودة في البرلمان، بل أيضاً مع أسماء جديدة تدخل السباق بطموح اقتحام المقاعد الثلاثة.
وجوه جديدة تدخل «دائرة الموت»
ولا تقتصر المنافسة على الأحزاب الثلاثة التي خرجت فائزة من انتخابات 2021.
فقد اختار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ترشيح لحسن زلماط، فيما يدخل حزب التقدم والاشتراكية بواسطة إبراهيم حمي، بينما تراهن الحركة الشعبية على عبد الصادق بيطاري، كما يدخل الاتحاد الدستوري المنافسة بواسطة كمال ماجد.
وهذا الحضور المتعدد يعني أن المعركة لن تكون بالضرورة مجرد إعادة لمباراة 2021 بين «البام» والاستقلال و«الأحرار».
فالمقاعد الثلاثة أصبحت مطمعاً لثمانية أسماء معلنة إلى حدود الآن، وكل صوت يمكن أن يصبح حاسماً في سباق لا يتوفر فيه سوى ثلاثة مقاعد.
السؤال الكبير: هل تبقى خريطة 2021؟
المعادلة الانتخابية في الدائرة تبدو اليوم بسيطة في شكلها، لكنها معقدة في تفاصيلها. ثلاثة مقاعد مقابل ثمانية وكلاء لوائح بارزين.
أولاً: استمرار مرشحين من الفائزين السابقين، ممثلين في المنصوري والدرويش.
ثانياً: تغيير وكيل لائحة «الأحرار»، من يونس بنسليمان إلى سعيد الكورش.
ثالثاً: دخول مرشحين جدد، بينهم أسماء لها حضور مهني أو سياسي أو محلي، إلى جانب محاولة العدالة والتنمية العودة إلى البرلمان.
ومن هنا، فإن السيناريوهات المطروحة في «دائرة الموت» تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، فدائرة مراكش المدينة–سيدي يوسف بن علي تضم تركيبة اجتماعية ومجالية متنوعة، وتعرف تنافساً قوياً على الأصوات، ما يجعل الفارق بين الفوز والخسارة قابلاً لأن يكون ضيقاً جداً.
ولهذا تستحق هذه الدائرة لقب «دائرة الموت»؛ ليس فقط بسبب عدد المتنافسين، وإنما لأن ثلاثة مقاعد فقط ستكون في مواجهة سباق انتخابي مفتوح بين أكثر من قوة سياسية.