الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

جوزيف طومسون .. حين كانت جامع الفنا «قاعة موسيقى ومكتبة»

المراكشية: إعداد القسم الثقافي

قبل أن تصبح الصورة جزءاً من صناعة السياحة، كان المسافر الذي يصل إلى مراكش يحمل معه أدوات مختلفة لتسجيل ما يرى: دفتر ملاحظات، قلم، وربما كاميرا ثقيلة تحتاج إلى وقت وجهد حتى تلتقط مشهداً واحداً.

صورة من كتاب طومسون 1988

في سنة 1888، وصل المستكشف والجغرافي البريطاني جوزيف طومسون إلى مراكش ضمن رحلته في الأطلس وجنوب المغرب. وبعد عودته، نشر سنة 1889 كتابه Travels in the Atlas and Southern Morocco, a Narrative of Exploration، الذي جمع فيه ملاحظاته عن البلاد وسكانها ومدنها وأسواقها.

ولم يكتف طومسون بالكتابة، بل التقط خلال رحلته صوراً لمراكش، من بينها صور ارتبطت بتاريخ التصوير المبكر للمدينة. وتحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية بمجموعة من صوره التي التقطها في المغرب سنة 1888، فيما تشير مؤسسة «دار التصوير الفوتوغرافي بمراكش» إلى أن من بينها أول صورة معروفة للكُتبية.

سوقان في مدينة واحدة

يخبرنا طومسون أن مراكش كانت تعرف سوقين أسبوعيين مهمين: سوقاً يقام يوم الخميس، وآخر يوم الجمعة في ساحة كبيرة تقع في قلب المدينة.

وكان سوق الجمعة، في نظره، مختلفاً عن مجرد مكان للبيع والشراء.

فمع انحسار حرارة النهار، يبدأ الناس في التوجه إلى الساحة، وكأن المدينة كلها تعرف أن موعداً آخر قد حان.

يصف طومسون المشهد باعتباره واحداً من أكثر المشاهد العامة إثارة التي يمكن للمسافر أن يراها في المغرب، ويلاحظ أن أهل مراكش يتجهون إلى الساحة بعد أن تخف حرارة النهار، بحثاً عن الهواء المنعش وعن الترفيه واللقاء.

بل إنه يقدم وصفاً لافتاً لوظيفة المكان، فيقول إن المراكشي كان يتجه إلى سوق الجمعة باعتبارها مكان الترفيه العام، وقاعة الموسيقى، وقاعة القراءة، وكل ما يوفر له المتعة.

حين كان الناس يقرؤون في الساحة

في واحدة من حلقات المشهد التي يصفها طومسون، يرى مجموعة من الرجال المسنين، يعتمرون العمائم، يجلسون منصتين إلى شخص يقرأ عليهم فصلاً من القرآن.

وفي مكان آخر، يجد رجلاً أعمى يغني نشيداً دينياً في مدح النبي محمد.

فالساحة التي نربطها اليوم بالطعام والموسيقى والحكواتيين والثعابين، كانت في عين طومسون أيضاً مكاناً للإنصات والقراءة والمديح الديني. أي أن الفرجة لم تكن بالضرورة دائماً ضحكاً وألعاباً. كان هناك أيضاً الإنشاد، والتلاوة، والشعر، والموعظة.

وكان الجمهور يختار الحلقة التي تناسب اهتمامه.

وهذه الصورة تتقاطع مع شهادات أخرى عن جامع الفنا، وتؤكد أن الساحة كانت تضم أشكالاً متباينة من النشاط الثقافي والديني والشعبي في الوقت نفسه. وقد وصف باحثون لاحقاً «الحلقة» باعتبارها فضاءً تتجاور فيه الحكاية والموسيقى والعروض والأداء الشفوي.

من يقرأ ومن يغني ومن يروي؟

كلما تقدمنا في قراءة طومسون، بدا لنا أن جامع الفنا لم تكن تمتلك برنامجاً واحداً. كان يمكن أن تجد رجلاً يقرأ، وبجواره منشد. وفي مكان آخر حكواتي. وفي جهة أخرى موسيقيون أو بهلوانيون أو حواة. وهكذا لم يكن على المراكشي أن يذهب إلى مكان خاص لكي يختار نوع الترفيه الذي يريده.

طومسون يكتشف المدينة من سوقها

لم يكن طومسون وحده في هذا المشهد. ففي الصباح كانت السوق تستقطب الباعة والقادمين من المناطق المجاورة، وكانت السلع والحيوانات والمنتجات المحلية تجد طريقها إلى الساحة.

ويصف طومسون السوق باعتبارها مكاناً تتقاطع فيه التجارة مع الحركة الاجتماعية، فيما يستغل أصحاب الفرجة تجمع الناس ليقدموا عروضهم.

ومن بين هؤلاء يذكر الحواة ومروضي الثعابين وغيرهم من أصحاب الفرجة المتنقلين، الذين كانوا يستفيدون من تجمع الجمهور أملاً في الحصول على المال.

الصورة التي سبقت البطاقة السياحية

لعل أهم ما يجعل جوزيف طومسون مختلفاً عن بعض الرحالة الذين سبقوه هو أنه لم يكتف بوصف مراكش. لقد صوّرها.

وصل إلى المغرب سنة 1888 حاملاً معه تقنية تصوير كانت لا تزال شاقة ومكلفة، والتقط عدداً من الصور التي أصبحت لاحقاً وثائق بصرية نادرة عن المغرب في أواخر القرن التاسع عشر.

وتحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية بمجموعة من الصور التي أنجزها طومسون في المغرب سنة 1888، بينما توثق مصادر متخصصة في تاريخ التصوير بالمغرب وجود صور له لمراكش ضمن مجموعات Société de Géographie. كما تنسب إليه أول صورة معروفة للكُتبية.

وهنا يصبح طومسون شاهداً مزدوجاً: كتب ما رآه، وصوّر ما استطاع أن يلتقطه. وبين النص والصورة يمكننا اليوم أن نعيد تركيب جزء من مراكش التي اختفت.

عين المستكشف.. وحدودها

لكن كما هي الحال مع هاريس ولينز وكانِتي، لا ينبغي أن نقرأ طومسون بوصفه مرآة محايدة. كان مستكشفاً بريطانياً، وجاء إلى المغرب في سياق اهتمام أوروبي متزايد بالجغرافيا والطرق والموارد والمجتمعات التي كانت القوى الأوروبية تتنافس على النفوذ فيها. ولهذا فإن أوصافه تحمل أيضاً لغة عصره ونظرته إلى المجتمع المغربي.

وهو نفسه يعلن في مقدمة كتابه أن عمله ليس دراسة شاملة للمغرب، بل «سرد شخصي لرحلة استكشافية».

arArabic