المراكشية: إعداد القسم الثقافي
قبل أن تصبح مراكش مدينة سياحية عالمية، وقبل أن تتحول جامع الفنا إلى واحدة من أشهر الساحات في العالم، كان الرحالة والكتاب الأوروبيون يدخلون المدينة من أبواب مختلفة تماماً. كانوا يجدون مدينة مغلقة على إيقاعها الخاص، تتداخل فيها السلطة والمقدس والتجارة والفقر والفرجة، ويصعب على الغريب أن يفهمها من النظرة الأولى.

ومن بين الذين تركوا لنا وصفاً مهماً لمراكش في أواخر القرن التاسع عشر، الصحفي والرحالة البريطاني والتر بورتون هاريس (1866-1933)، الذي استقر في طنجة منذ شبابه، وعاش في المغرب نحو خمسة وثلاثين عاماً، واشتغل مراسلاً لصحيفة The Times. وكان يتقن العربية، الأمر الذي أتاح له الاقتراب من المجتمع المغربي أكثر مما كان متاحاً لكثير من الرحالة الأوروبيين في ذلك العصر.
لم يكن هاريس سائحاً عابراً. فقد قام برحلات متعددة داخل المغرب، من بينها رحلته إلى مراكش، ودوّن مشاهداته في كتابه «أرض سلطان إفريقي: رحلات في المغرب 1887 و1888 و1889»، الصادر في لندن سنة 1889. والكتاب ليس مجرد سجل جغرافي، بل محاولة لرسم صورة لمغرب كان لا يزال، في نظر الأوروبيين، بعيداً عن متناولهم.
مراكش التي دخلها هاريس
مراكش التي تظهر في صفحات هاريس ليست المدينة التي نعرفها اليوم. ليست هناك فنادق فاخرة، ولا حافلات سياحية، ولا مطاعم تستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم، ولا ساحة تنتظر كل مساء آلاف السياح.
هناك مدينة سلطانية، وأسواق، وأحياء ضيقة، وقصر السلطان، ومجتمع تتحرك داخله السلطة والثروة والفقر في مساحات متقاربة.
وكانت مراكش آنذاك واحدة من عواصم السلطنة، إلى جانب فاس ومكناس، وكانت إقامة السلطان فيها تمنح المدينة أهمية سياسية واقتصادية استثنائية. وقد لاحظ هاريس أن وجود البلاط السلطاني أو غيابه كان يؤثر حتى في الحركة الاقتصادية داخل المدينة.
ملاحظة مهمة لفهم مراكش في تلك المرحلة: المدينة لم تكن مجرد عاصمة تاريخية، بل كانت مدينة تتحرك بدرجة كبيرة مع حركة السلطان وبلاطه.
السوق قبل أن يكون فرجة
حين نقرأ هاريس اليوم، تبدو الأسواق المراكشية وكأنها عالم كامل قائم بذاته. الباعة، والحرفيون، والسماسرة، والدلالون، والتجار، والمشترون، والعبيد والخدم والمرتبطون بدور كبار رجال الدولة، وكل ذلك داخل فضاء ضيق تتقاطع فيه المصالح والأصوات.
ويصف هاريس أسواق مراكش باعتبارها مركزاً مهماً للتجارة، وخصوصاً القيصرية التي كانت تضم أسواقاً متعددة للحرف والبضائع. ويشير إلى نظام البيع بالمزاد بواسطة الدلالين، بينما كان التجار يجلسون في حوانيتهم الصغيرة ويتابعون حركة السوق.
لكن اللافت في وصفه ليس التجارة وحدها، وإنما ذلك التناقض الذي كان يراه أمام عينيه: سوق غني بالحركة والبضائع، وفي الوقت نفسه فقر شديد يطال جزءاً كبيراً من السكان.
ويلاحظ أن أسعار المواد الغذائية كانت منخفضة مقارنة بمدن ساحلية، لكنه كان يجد في الوقت نفسه أن هناك رجالاً ونساء وأطفالاً داخل المدينة لا يكادون يحصلون على وجبة جيدة في اليوم.
إنها مراكش أخرى إذن؛ مدينة الأسواق والقصور، لكنها أيضاً مدينة الفوارق الاجتماعية القاسية.
كان يرى القسوة أيضاً.
في كتاباته عن المغرب، تظهر صور الفقر، والعبودية، والسلطة المحلية، والتفاوت بين الناس، وأشكال الحياة اليومية التي كانت بالنسبة إليه جزءاً من «مغرب السلطان».
لقد كان هاريس شاهدا مهما، لكنه ليس شاهداً محايداً.
كان صحفياً بريطانياً في مغرب القرن التاسع عشر، وكان ينظر إلى المجتمع من موقع أوروبي، وفي سياق تنافس القوى الأوروبية على النفوذ في المغرب. وتؤكد دراسات تاريخية أن هاريس كان شخصية مؤثرة في التصورات البريطانية عن المغرب في نهاية القرن التاسع عشر، وأن كتاباته تناولت البلاد وسكانها ونظامها السياسي من موقع الصحفي والرحالة وصاحب العلاقات الواسعة داخل دوائر الحكم.
مراكش السلطان.. المدينة التي تتحرك مع البلاط
من أكثر ما يميز صورة مراكش عند هاريس ارتباط المدينة بالبلاط.
وجود السلطان يعني ازدهاراً في بعض الأنشطة، وحضور رجال الدولة، وارتفاع الطلب على الخدمات والسلع. أما عندما يغادر السلطان المدينة، فإن آثار الغياب تمتد إلى قطاعات مختلفة.
وتظهر هذه العلاقة بوضوح في وصفه للأسواق، وفي ملاحظاته حول الحياة داخل الملاح، حيث كان النشاط الاقتصادي يتأثر أيضاً بوجود البلاط.
وهكذا تبدو مراكش عنده مدينة ذات مركز ثقل واضح:
السلطان في القصر، والمدينة كلها تدور حوله بدرجات مختلفة.
إنها صورة تختلف كثيراً عن مراكش المعاصرة التي أصبح مركز ثقلها موزعاً بين السياحة والتجارة والخدمات والإدارة والثقافة.