المراكشية: خاص
أفرزت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 خريطة سياسية جديدة بمدينة مراكش، تحمل أكثر من رسالة تتجاوز مجرد توزيع المقاعد التسعة المخصصة لدوائر المنارة وجليز–النخيل والمدينة–سيدي يوسف بن علي. فبين تصدر متوقع لحزب الأصالة والمعاصرة، وعودة لافتة لحزب العدالة والتنمية، ومحافظة الاستقلال على حضوره، برز الغياب الكامل للتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية عن التمثيلية البرلمانية للمدينة، في اقتراع طبعته، في المقابل، مشاركة محدودة لم تتجاوز وفق المعطيات المتداولة 34.71 في المائة على مستوى عمالة مراكش.

النتائج الأولية الرسمية منحت ثلاثة مقاعد للأصالة والمعاصرة، ومثلها للاستقلال والعدالة والتنمية، بواقع مقعد لكل حزب في كل واحدة من الدوائر الثلاث. غير أن هذا التعادل في عدد المقاعد لا يعكس بصورة كاملة موازين الأصوات، إذ تصدر «البام» عملية الاقتراع في الدوائر الثلاث، وهو ما تؤكده معطيات الفرز المتقدمة التي وضعته في المقدمة بالمنارة وجليز والمدينة.
صدارة «البام».. نتيجة لم تكن مفاجئة
لم يكن تصدر الأصالة والمعاصرة للمشهد الانتخابي المراكشي مفاجئاً بالنظر إلى الحضور التنظيمي والسياسي للحزب بالمدينة، فضلاً عن قيادته من طرف فاطمة الزهراء المنصوري، التي راكمت حضوراً انتخابياً ومحلياً بمراكش.
وأظهرت النتائج المتقدمة للفرز حصول «البام» على 15 ألفاً و419 صوتاً بالمنارة بعد إحصاء 97.31 في المائة من الأصوات، و13 ألفاً و336 صوتاً بجليز بعد فرز 91.71 في المائة، و12 ألفاً و596 صوتاً بدائرة المدينة بعد إحصاء 97.59 في المائة. وهي أرقام مؤقتة لكنها توضح أن الحزب لم يكتف بالفوز بمقعد في كل دائرة، بل تصدر سباق الأصوات في الدوائر الثلاث.
ويمكن قراءة ذلك باعتباره استمراراً لحضور الحزب القوي في مراكش، خصوصاً أن المدينة شكلت خلال السنوات الأخيرة إحدى أهم قواعده الانتخابية، بالتوازي مع تدبيره لمجلس جماعة مراكش ومجالس أخرى داخل المجال الترابي للعمالة.
العدالة والتنمية.. عودة من أبواب مراكش الثلاثة
أبرز ما أفرزته انتخابات 2026 في مراكش يبقى عودة حزب العدالة والتنمية إلى التمثيلية البرلمانية المحلية بثلاثة مقاعد، واحد عن كل دائرة.
فبعد النتيجة التي سجلها الحزب في انتخابات 2021، استطاع هذه المرة الحصول على مقاعد بواسطة محمد توفلة بالمنارة، ومحمد منير الورزازي بجليز–النخيل، وصلاح الدين عياش بالمدينة–سيدي يوسف بن علي.
ولا يتعلق الأمر بحضور رمزي فقط؛ فالأرقام المتقدمة للفرز وضعت العدالة والتنمية ثانياً في المنارة بـ13 ألفاً و139 صوتاً، وثانياً كذلك بجليز بـ10 آلاف و114 صوتاً، بينما جاء ثالثاً في دائرة المدينة بـ6 آلاف و700 صوت.
وتتجاوز هذه العودة حدود مراكش، إذ حصل الحزب وطنياً، بحسب النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية، على 54 مقعداً، بعدما كان قد حصل على 13 مقعداً فقط في انتخابات 2021. وبالتالي فإن ما حدث في مراكش يندرج ضمن عودة انتخابية أوسع للحزب على المستوى الوطني.
لكن تحديد أسباب هذه العودة يطرح عدة فرضيات للنقاش، من بينها استعادة الحزب جزءاً من ناخبيه السابقين، وقدرته التنظيمية على تعبئة قاعدته، إضافة إلى إمكانية استفادته من التحولات التي عرفتها شعبية منافسيه. وهي تظل تفسيرات تحتاج إلى اختبار ولا يمكن اعتبار النتائج وحدها دليلاً قاطعاً عليها.
الأحرار.. من قيادة الحكومة إلى الغياب عن مقاعد مراكش
في المقابل، تشكل نتيجة التجمع الوطني للأحرار واحدة من أبرز مفاجآت اقتراع مراكش. فالحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية لسنة 2021 وطنياً بـ102 مقعد، وقاد الحكومة خلال الولاية المنتهية، خرج هذه المرة دون أي مقعد من الدوائر الثلاث لعمالة مراكش.
وتبدو دلالة النتيجة أكبر عند مقارنتها بالحضور السياسي والتنظيمي الذي سعى الحزب إلى بنائه خلال السنوات الماضية، وبالإمكانات التي رافقت حملته الانتخابية.
وفي جليز–النخيل، على سبيل المثال، وضعته الأرقام المتقدمة للفرز رابعاً بـ5 آلاف و416 صوتاً، خلف الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية والاستقلال.
الحركة الشعبية.. غياب آخر يطرح أسئلة التنظيم المحلي
وإلى جانب الأحرار، تغيب الحركة الشعبية عن المقاعد التسعة لمدينة مراكش، رغم حصولها وطنياً على 29 مقعداً وفق النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية.
ويكشف التباين بين حضور الحزب وطنياً وغيابه عن مراكش أن الديناميات المحلية لا تتطابق بالضرورة مع الترتيب الوطني للأحزاب، وأن قوة التنظيم والمرشحين والامتداد داخل الأحياء والمقاطعات تظل عوامل أساسية في الانتخابات المحلية.
ويطرح غياب الحركة الشعبية عن التمثيلية البرلمانية بمراكش سؤالاً حول قدرة الحزب على بناء قاعدة انتخابية مستقرة داخل المدينة، مقارنة بأحزاب تمتلك شبكات تنظيمية وانتخابية أكثر رسوخاً في الدوائر الثلاث.
الاستقلال.. ثلاثة مقاعد بعيداً عن الضجيج
وسط الحديث عن صدارة «البام» وعودة العدالة والتنمية وخروج الأحرار، قد تبدو نتيجة حزب الاستقلال أقل إثارة إعلامياً، لكنها انتخابياً ذات دلالة واضحة.
فالحزب خرج بثلاثة مقاعد هو الآخر، بواسطة عبد الرزاق أحلوش بالمنارة، وأنس الهواجي بجليز–النخيل، وعبد العزيز الدرويش بالمدينة–سيدي يوسف بن علي.
وتكشف هذه النتيجة عن استمرار قدرة الاستقلال على الحفاظ على موقع داخل الخريطة الانتخابية المراكشية، حتى عندما لا يتصدر عدد الأصوات في الدوائر الثلاث.
65 في المائة تقريباً لم يصوتوا.. الرسالة الأخرى للصناديق
لكن قراءة الانتخابات من زاوية الأحزاب والمقاعد وحدها قد تحجب رقماً لا يقل أهمية: نسبة المشاركة.
فوفق المعطيات المحلية المتوفرة عقب إغلاق مكاتب التصويت، بلغت المشاركة في الدوائر المحلية لعمالة مراكش 34.71 في المائة، مقابل 39.33 في المائة على مستوى جهة مراكش–آسفي. أما وطنياً، فقد استقرت المشاركة عند نحو 38 في المائة.