الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

من الحومة الى الحارة الى المحلة .. كيف كانت مراكش مقسمة ومنظمة في عهد الموحدين؟

المراكشية:إعداد القسم الثقافي

لم تكن مراكش في عهد الموحدين مجرد مدينة تحيط بها الأسوار وتنتشر داخلها البيوت والأسواق والمساجد، بل كانت مجالاً منظماً تتوزع داخله التجمعات السكنية وفق وحدات مختلفة، لكل واحدة منها موقعها ووظيفتها وحضورها داخل المدينة أو في محيطها.

ومن خلال ما بقي من إشارات عن مراكش في تلك الفترة، تظهر كلمات مثل الحومة والحارة والمحلة، وهي تسميات كانت مرتبطة بتنظيم السكن وتحديد المجالات التي استقر فيها السكان.

«الحومة».. أكثر من مجرد حي

كلمة «الحومة» التي ما زالت مستعملة في مراكش وفي مدن مغربية أخرى، كانت في العصر الموحدي تحمل معنى مرتبطاً بالمكان والتجمع السكاني.

ولم يكن استعمالها مقتصراً على داخل المدينة، بل كانت تطلق أحياناً على مناطق أو جهات أو تجمعات سكانية خارجها أيضاً. وهذا يعني أن مفهوم الحومة لم يكن مطابقاً تماماً لما نفهمه اليوم من كلمة «حي».

فقد كانت هناك حومات داخل مراكش، وأخرى مرتبطة بمحيطها، كما استعمل المصطلح للدلالة على تجمعات سكنية في البادية.

والأهم أن الحومة كانت جزءاً من الطريقة التي انتظم بها المجال، أي أنها لم تكن مجرد اسم لمكان، وإنما كانت مرتبطة بوجود السكان واستقرارهم في مجال محدد.

الحارة.. وحدة أصغر داخل المدينة؟

إلى جانب الحومة، تظهر في المصادر القديمة كلمة «الحارة».

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الحارة كانت أيضاً وحدة من وحدات الاستقرار السكاني داخل مراكش أو بالقرب منها. وتكشف بعض الإشارات عن وجود حارات تحمل أسماء معينة، وكانت تضم مساكن ومنشآت مرتبطة بالحياة اليومية، من بينها المساجد.

ومن بين الأسماء التي بقيت في الأخبار القديمة حارة الجذماء الواقعة خارج مراكش بالقرب من باب أغمات، وحارة أبي يعبدين داخل المدينة.

ويبدو أن الفرق بين الحومة والحارة لم يكن دائماً واضحاً أو ثابتاً، لكن الحارة تبدو في بعض الحالات مرتبطة بمجال سكني أكثر تحديداً.

والمحلة.. اسم آخر للتجمع السكني

هناك أيضاً «المحلة»، وهي تسمية استعملت بدورها للدلالة على أماكن استقرار السكان.

وتكشف الإشارات المتفرقة أن بعض العلماء والصالحين الذين عاشوا في مراكش ارتبطت أسماؤهم بمحلات محددة، وهو ما يسمح بإعادة رسم جانب من الخريطة السكنية للمدينة في ذلك العصر.

وبذلك نجد أن مراكش الموحدية كانت تعرف أكثر من مستوى في تنظيم المجال: حومات، وحارات، ومحلات، دون أن تكون الحدود بين هذه التسميات دائماً دقيقة بالمعنى الذي نعرفه اليوم.

أسماء تكشف خريطة مراكش القديمة

ورغم أن المعطيات المتوفرة لا تسمح بإحصاء دقيق لكل حومات مراكش في العصر الموحدي، فإن الأسماء التي بقيت في الكتابات القديمة تقدم صورة مهمة عن انتشار التجمعات السكنية داخل المدينة.

ومن بين الحومات التي تظهر في هذه المعطيات: حومة المرج، حومة الأرجوانيين، حومة السبتيين، حومة أكادير، حومة الصالحة، حومة باب أغمات، حومة باب إيلان وحومة لبيب.

كما تظهر أسماء أخرى مرتبطة بالمحلات والحارات، مثل محلة هرغة، ومحلة الشرقيين، وحارة أبي يعبدين وحارة الجذماء.

هذه الأسماء ليست مجرد تسميات جغرافية قديمة، بل تشكل أجزاء من خريطة بشرية لمراكش في العصر الموحدي، وتساعد على فهم الطريقة التي توزع بها السكان داخل المدينة وحولها.

الحومات كانت مرتبطة بأبواب مراكش

وتكشف بعض المواقع عن علاقة واضحة بين الحومات وأبواب المدينة.

فـ«حومة باب أغمات» كانت في الجهة الجنوبية الشرقية، بينما ارتبطت «حومة المرج» بالمنطقة القريبة من باب تاغزوت، وامتدت «حومة السبتيين» بين باب الدباغين وباب إيلان.

أما حومة باب إيلان، فتشير المعطيات إلى مجال كان يمتد من جنوب شرق المدينة نحو مركزها.

وهذا الارتباط بالأبواب مهم جداً لفهم مراكش القديمة، لأن أبواب المدينة لم تكن مجرد منافذ للخروج والدخول، بل كانت نقاطاً أساسية لتنظيم الحركة وربط أجزاء المدينة بعضها ببعض.

مدينة واسعة ومتعددة المراكز

الصورة التي تقدمها هذه المعطيات هي أن مراكش الموحدية كانت مدينة واسعة، يتوزع سكانها في تجمعات متعددة، لكل منها موقع داخل النسيج العمراني أو في محيط المدينة.

ولذلك فإن الحديث عن «حي» بالمعنى المعاصر قد لا يكون دقيقاً تماماً عند وصف هذه الوحدات القديمة. فالحومة والحارة والمحلة كانت مصطلحات متقاربة أحياناً، لكنها تكشف في مجموعها عن وجود تنظيم للمجال السكني وعن تعدد التجمعات التي شكلت المدينة.

ومن خلال هذه الأسماء يمكن أيضاً الاقتراب من الحياة اليومية لسكان مراكش قبل قرون: أين كانوا يسكنون؟ وكيف كانت تتوزع مساكنهم؟ وما علاقة تجمعاتهم بالأبواب والأسواق والمساجد والطرق؟

مراكش التي تختبئ خلف الأسماء

قد تبدو أسماء مثل باب أغمات وباب إيلان وباب تاغزوت مألوفة لمن يعرف مراكش اليوم، لكن استحضارها في سياق العصر الموحدي يكشف أن وراء كل اسم طبقات من التاريخ.

فالحومة لم تكن مجرد مساحة بين جدران، والحارة لم تكن مجرد مجموعة من البيوت، والمحلة لم تكن مجرد مكان للإقامة. كانت هذه التسميات جزءاً من ذاكرة المدينة ومن الطريقة التي عاش بها أهل مراكش ونظموا وجودهم داخلها.

ومن هنا تصبح أسماء الحومات القديمة بمثابة مفاتيح لقراءة مراكش الموحدية؛ فكل اسم منها يقود إلى جزء من المدينة، وإلى جماعة من سكانها، وإلى حكاية من حكايات المجال الذي صنع واحدة من أهم مدن المغرب في العصور الوسطى.

مصدر المقال جزء من بحث دكتوراه الدولة للأستاذ رابطة الدين حول تدبير المجال الخاص بتنظيم الحومات بمراكش في عهد الموحدين

arArabic