المراكشية: إعداد القسم الثقافي
حين دخل الكاتب إلياس كانيتي مراكش في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن يبحث عن المدينة التي تظهر في الصور السياحية، ولا عن معالمها المعمارية وحدها. كان يبحث عن شيء أكثر غموضاً: الأصوات.

كان يريد أن يعرف المدينة من خلال ما يسمعه فيها، وما يراه من وجوه وحركات وإشارات، وما يتركه المكان في ذاكرته. ومن هذه التجربة خرج كتابه الشهير «أصوات مراكش: ملاحظات عن رحلة» (Die Stimmen von Marrakesch)، الذي ظهر بالألمانية سنة 1967، بعد رحلة قام بها إلى مراكش سنة 1954، ثم ترجم إلى لغات عديدة.
كأن كانيتي لم يدخل مراكش من بابها التاريخي، بل دخلها من باب الحواس. لم يكن يبحث عن «مراكش الرسمية»، وإنما عن المدينة التي تعيش في الأسواق والأزقة والساحات، في أصوات الباعة والمتسولين والمكفوفين والكتبة والحكواتيين، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في كتب التاريخ.
ولهذا تبدو جامع الفنا في كتابه أكثر من مجرد مكان. إنها كائن حي، يتنفس ويتحرك ويتغير مع ساعات النهار والليل.
كاتب جاء ليسمع قبل أن يكتب
كان كانيتي، المولود سنة 1905 في مدينة روسه البلغارية، قد أصبح قبل رحلته إلى المغرب واحداً من أبرز الكتاب الأوروبيين، وسيحصل لاحقاً على جائزة نوبل للآداب سنة 1981.
جاء إلى مراكش سنة 1954 برفقة فريق سينمائي بريطاني، في فترة كانت المدينة والمغرب يعيشان مرحلة سياسية شديدة الحساسية تحت نظام الحماية الفرنسية. لكنه لم يحول رحلته إلى تقرير سياسي مباشر؛ اختار أن يكتب عن البشر والأصوات والأشياء الصغيرة التي التقطتها عيناه.
ولهذا جاء كتاب «أصوات مراكش» مختلفاً عن كتب الرحلات التقليدية. فهو ليس سرداً متواصلاً لرحلة من بدايتها إلى نهايتها، وإنما مجموعة من المشاهد القصيرة، لكل منها عالمها الخاص: الجمال، الأسواق، صرخات المكفوفين، المرابط، البيوت الصامتة، الملاح، عائلة داهان، الحكواتيون والكتبة، الخبز، ثم جامع الفنا في ساعاتها المتأخرة.
ومن هنا جاءت أهمية الكتاب بالنسبة إلى «ذاكرة مراكش»: كانيتي لا يصف مدينة من الخارج فقط، وإنما يحاول الاقتراب من إيقاعها الداخلي.
الحكواتي الذي لم يفهم لغته.. وفهم قوته
في الفصل الذي خصصه للحكواتيين والكتبة، يقف كانيتي أمام واحد من أكثر مشاهد جامع الفنا دلالة.
يرى الناس وقد تشكلوا في دوائر حول الرواة. هناك حلقة داخلية يجلس أصحابها أو يقرفصون على الأرض، وحلقة أخرى من الواقفين تحيط بها. الناس لا يبدون في عجلة من أمرهم؛ يستمعون، وينظرون، وينتظرون. وكانيتي نفسه لا يفهم بالضرورة كل ما يقال، لكنه يفهم شيئاً آخر: قوة اللغة حين تصبح أداءً جماعياً.
وفي وصفه الذي أصبح من أكثر المقاطع استشهاداً في الكتاب، يلاحظ كانيتي أن أكبر الحشود تتجمع حول الحكواتيين، وأن الناس يبقون معهم طويلاً، بينما يحيط الواقفون بالدائرة الداخلية. ويصف الكلمات والإشارات بأنها تجعل الراوي مركزاً لجذب الانتباه.
وهنا يلتقي كانيتي، من موقع الكاتب الأوروبي، مع جوهر ما تناولناه في حلقة «ذاكرة مراكش» السابقة: الحلقة ليست تجمعاً حول شخص، وإنما طريقة كاملة لصناعة الفرجة.
حين وقف الأدب المكتوب أمام الحكاية الشفوية
لقد اكتشف كانيتي شيئاً آخر أكثر إثارة، إذ بعد خطوات قليلة من الحكواتيين، وجد الكتبة العموميين جالسين إلى جانب أدوات الكتابة، ينتظرون زبائنهم في صمت.
ومن هذه المقابلة بنى كانيتي واحدة من أجمل مفارقات كتابه: الكاتب الذي يحمل كلماته في الأوراق يجد نفسه أمام رواة لا يحملون كتاباً، لكنهم قادرون على جذب الناس بالكلمة وحدها.
كان يرى في الحكواتيين، رغم عدم فهمه للغة التي يتحدثون بها، شيئاً من القوة التي يعرفها هو نفسه ككاتب. ويقدم أحد فصول الكتاب تحديداً هذه المقابلة بين الحكواتيين والكتبة، باعتبارها مواجهة بين الشفهي والمكتوب.
وهنا تصبح جامع الفنا بالنسبة إلى كانيتي مختبراً أدبياً أيضاً.
فهو، الكاتب القادم من أوروبا، يجد نفسه أمام نوع آخر من الأدب: أدب لا يُقرأ، بل يُسمع؛ لا يُحفظ في كتاب، بل في الذاكرة؛ ولا يحتاج إلى قارئ منفرد، وإنما إلى جمهور.
الساحة التي تتغير مع الليل
لم يرَ كانيتي جامع الفنا في صورة واحدة، وهذه ربما إحدى أهم نقاط كتابه.
في النهار، هناك الحركة والباعة والحلقات والجمهور. وفي المساء تتغير الساحة، وتظهر مطاعمها وأضواؤها وروائحها، لكن عندما يتأخر الليل، يتغير كل شيء مرة أخرى.
في أحد مقاطع الكتاب، يصف كانيتي عودته إلى الساحة في ساعة متأخرة، فيجدها شبه خالية، وقد اختفى كثير من أصحاب الفرجة الذين كانوا يملؤونها قبل ساعات. لا بهلوانيين، ولا راقصين، ولا مروضي أفاعٍ، وإنما أضواء متفرقة وأشخاص يستعدون للنوم. ثم يلفت انتباهه فجأة حلقة كثيفة من الناس في وسط الساحة.
وهنا يعود الحكواتي مرة أخرى
فالساحة عنده ليست دائماً صاخبة ومضيئة. أحياناً تبدو له ساكنة، فقيرة، ومثقلة بأشخاص يعيشون على هامش المدينة.
وفي فصل «شهرزاد»، يقارن بين جامع الفنا في الليل وفضاء أوروبي الطابع قريب منها، حيث يستمر السهر والحياة في الداخل بينما تهدأ الساحة في الخارج. وقد لاحظ باحثون أن هذا التباين بين الساحة والفضاء الأوروبي يمثل أحد المحاور المهمة في قراءة كانيتي لمراكش، وأن عنوان «شهرزاد» نفسه يحيل إلى عالم أوروبي يتعامل مع صورة «الشرق» بطريقة مختلفة عن الحياة الفعلية في الساحة.
مراكش التي تسمعها أكثر مما تراها
عنوان الكتاب نفسه مهم: «أصوات مراكش». لم يقل «صور مراكش»، ولم يقل «معالم مراكش»، لقد اختار الصوت. وهذا الاختيار ليس عابراً.
فالصوت عند كانيتي وسيلة لاكتشاف المدينة. صوت الحكواتي، صوت المكفوفين، أصوات الأسواق، أصوات الناس في الأزقة، أصوات الباعة، وحتى الصمت الذي يأتي بعد انتهاء الحركة.
ومن هنا يمكن قراءة جامع الفنا عنده باعتبارها مدينة داخل المدينة، مدينة لا تتحدد فقط بمبانيها، وإنما بالأصوات التي تصنعها.