الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاث

قراءة في كتاب : من أجل ثورة ثقافية في المغرب للأستاذ حسن أوريد

وجهة نظر : محمد الطوكي (خاص بالمراكشية) 

“ما عرضتُ ليس هو نهاية الأرب، بل أرضية للنقاش، ومادة من شأنها أن تستحث النقاش”. حسن أوريد : من أجل ثورة ثقافية ، ص 304.

بين يدي طبعة ثانية لكتاب “من أجل ثورة ثقافية بالمغرب” (1) للأستاذ حسن أوريد الذي اصطلح في شخصه الكاتب والأديب والصحفي والإداري المحنك ؛ الذي عجمت الإدارة عودة فخبر دروبها ومسالكها، أقول صدرت تلك الطبعة المعهودة سنة 2019 وقد شرفت بنسخة مدموغة بجميل إهدائه وحسن مكارمته، ونفاد طبعته الأولى في مدة وجيزة مؤشر على الإقبال على العمل وتواتر مقروئيته، علما بأننا في زمان يُشتكى فيه من تدني وتيرة القراءة .

فمشكل التعليم – موضوعها- حارق اكتوت الأسر بأواره، والدوائر المسؤولة في حيرة من أمره، والباحثون يقاربون ويسددون.

توزعت صفحات مشروع أوريد الثلاثمائة واثنين وأربعين (342) على خمسة أبواب كل منها مقسوم على مجموعة منسجمة من الفصول :

– عنوان الباب الأول : أسئلة وجودية وتضمنت أربعة فصول من ص 17-70 .

– وعنوان الباب الثاني : الأسس وتحته خمسة فصول من ص 71-127 .

– الباب الثالث : عن مقومات الإصلاح بفصوله الخمسة من ص 129-220.

– الباب الرابع : عناصر الإصلاح الجذري في عشرة فصول من 221-304.

– الباب الخامس : الهيئات المسؤولة والفاعلون في خمسة فصول من ص 305-335.

وأنهى الكتاب بخاتمة ضغطت وركبت ما حللته الأبواب .

فهندسة العمل، إذا جازت هذه الاستعارة، يغلب عليها التناظر الخماسي، خمسة أبواب في كل واحد منه خمسة فصول، إلا الإصلاح الجذري موضوع الباب الرابع فقد ضوعفت خماسيته، نظرا لأهميته ولعل عنوان العمل قد استُوحي منه .

والتناول بهذه الطريقة، المبصومة بشيء من الإبداع المتواشج مع موضوعية وصرامة العلم، يدل على تملك الرجل للموضوع الذي حمل همه طيلة خمس سنوات أتاحت له سعة الإطلاع، والاستفادة من تنوع محطات تعليمه واستبطان أثرها في تكوين شخصيته، دون أن ننسى رحلاته التي أوقفته على تجارب تعليمية لدى أمم أخرى. فهذه المرجعية الغنية هي التي كانت وراء تحاليله العميقة ، وأتاحت له إلغام مجال بحثه بمجموعة من الأسئلة، القلقة كما مكنه تمثله للقضايا من عرضها بأسلوب جمع بين السلاسة والأناقة.

وبالعودة إلى عنوان العمل – نحو ثورة ثقافية بالمغرب – فنص دلالته، أو المعنى الأول الذي يتبادر منه إلى الذهن : استحداث حركة فكرية حول قضية ، في فضاء جغرافي مضبوط هو المغرب. إلا أن إثارة العنوان ورجته ذهبت ببعض متلقي ما قبل القراءة ؛ الحاملة للأفكار المسبقة، إلى توجيه دلالة العنوان توجيها سياسيا برمزية وحمولة صينية، وهذا ما لم يخطر ببال المؤلف ولا قصد إليه. فلتلافي هذا التأويل عمد إلى شرح هذا العنوان، وشققه – بالمصطلح المغربي – من الوهلة الأولى وقبل التوطئة بفقرات مقتبسة من مصادر تراثية “الجاحظ وابن خلدون”، وأخرى حداثية “طه حسين، الجابري، كوندورسيه” تحيل على التربية والتعليم. فقد قامت تلك المقتبسات بما يسميه يا كبسون بالوظيفة ما فوق لغوية، وقد زكت الفقرة الأولى من التوطئة ما ذهبنا إليه، فهذا الفيلسوف الألماني فخته يرسل صرخة مدوية في بني وطنه عندما احتل نابليون بروسيا سنة 1812 قائلا “لقد فقدنا كل شيء ولم يبق إلا التربية”.

وتبديدا لتلك البلبلة الدلالية ارتأيت التوقف عند الدلالة اللغوية والاصطلاحية لمفهوم هذا المركب الوصفي – ثورة ثقافية – لأنظر بعد ذلك في مظاهر تلك الثورة الثقافية التربوية والتعليمية في عمل الأستاذ حسن أوريد.

الدلالة اللغوية لثورة ثقافية 

– “ثار الشيء ثورا ، وثـُؤورا، وثوَرَانا، وتـَـثـوَّر بمعنى هاج “.

وثورة الغضب حدته .والثائر الغضبان، وكل ما ظهر فقد ثار.

وثوَّر فلان عليهم شرا إذا هيجه وأظهره ” (2)

– ” وثقف الشيء ثـَقفا وثِقافا وثقوفة إذا حذقه.

ورجل ثقْف وثقِف : حاذق فاهم. ابن السكيت رجل ثَقْفٌ لـَقْفٌ إذا كان ضابطا لما يحويه قائما به، وفي حديث الهجرة وهو غلام لـَقِنٌ ثـَقِفٌ أي ذو فطنة وذكاء والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه .

والثـَّـقافة والثِّقافة العمل بالسيف. والثـِّـقاف حديدة تكون مع القـُوَّاس والرَّمَّاح يقوِّم بها الشيء المعوج … ولا يفعل ذلك بالقسي ولا بالرماح إلا مدهونة مملولة أو مصهوبة على النار مُلـَوَّحة ً ” (3)

ما نستنتجه من هذه الفذلكة المعجمية الكلاسيكية أن دلالة هذا المركب ” ثورة ثقافية” تعني :

1- فعل أو حركة مقوِّمة لشيء لم يعد ناجحا ونافعا بسبب الاعوجاج الذي اعتراه .

2- من صفات المُقوِّم أن يكون حاذقا ماهرا في صنعته ثابت المعرفة بما يحتاج إليه.

3- الشيء موضوع التقويم بحاجة إلى تليينه بعرضه على النار ثم معاجلته بالمناسب من الأدوات. هذا في تقويم الأشياء المادية ، أما الأمور المعنوية فمحكها النظر العقلي .

الدلالة الاصطلاحية للثقافة :

اكتسبت كلمة ثقافة دلالة اصطلاحية جديدة عندما قابل بها رواد النهضة العربية الأوائل الكلمة اللاثينية Culture المحيلة على علم الفلاحة الموحي بدوره بالاستقرار المؤدي إلى نشأة الحضارات، ولهذا لا غرابة إذا قابلوا بينهما وكونوا منهما ثنائية ثقافة / حضارة. وقد عرفوهما بتعاريف متعددة ، منها التعريف الذي اطمأن إليه المرحوم عزيز الحبابي حيث صرف الثقافة للمجالات المختلفة للعلوم النظرية ، أما الحضارة فتختص بالجوانب المادية ومن مظاهرها المنشآت العمرانية والتكنولوجيا الزراعية وتخطيط المدن … الخ .

ثم إن استضمار ثقافة ما يفضي إلى تكوين فكر أي رؤية للعالم، قد تكون محافظة أو ثورية، ولكل واحدة منهما خطوطها الدلالية المميزة. فهذا الدكتور عبد الوهاب المسيري يميز بين الرؤيتين قائلا : “الرؤية المحافظة هي تلك التي تلغي التاريخ والتراث، وتجعل الحقيقة الوحيدة المقبولة هي الحقيقة السائدة، أو الحقيقة التي تسهل لنا التعامل مع الواقع كما هو وليس كما ينبغي أن يكون .

أما الرؤية الثورية فهي على العكس من ذلك لابد أن تطرح تصورا جديدا للواقع مخالفا لما هو قائم، وإلا ففيم ثوريتها ؟ هذا التصور يستند إلى تحليل علمي للواقع وللتاريخ ؛ ولكنه في الوقت ذاته يتخطاهما ؛ لأن الفكر الثوري يحاول أن يزود المجتمع بإطار جديد يسمح للإنسان بأن يحقق إمكانياته بشكل أفضل، فالمنطق الثوري يفترض دائما وجود تناقض جدلي بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فالقديم يحتوي جرثومة فنائه التي هي نفسها بذرة الميلاد الجديد، والعقل الإنساني الواعي الخلاق يحتوي الواقع والأشياء ويتخطاهما” (4).

فالحديث عن الثقافة الثورية لا يتأتى إلا بمثل هذا المنطق الثوري الذي تذرع به حسن أوريد في محاججة أصناف من المحافظين، الذين تكلموا في المسألة التعليمية انطلاقا من رؤى سلفية، والسلفية كما يقول عبد الله العلوي سلفيات ؛ ومن الخط المنطقي نفسه جادل التكنوقراط وحاملي الفكر التجزيئيي، بل من خلاله، دحض دعوى من لا رؤية له. فمقولة القطيعة مهيمنة ومتحكمة في العمل، تعرض القضايا بجرأة علمية تتقراها تقاربها تاريخيا تنتقدها وتتجاوزها باقتراح ما ينبغي أن يكون .

ونختم بإيراد فقرة اخترناها من الفصل الثاني من الباب الأول من الكتاب بعنوان ما الذي نريده ؟ وأهمية هذه الفقرة كامنة في أن المؤلف كشف فيها عن صفحة توجهه الإيديولوجي. يقول :

“نريد أن نكون جزءا من التجربة الكونية ونستوعب ما انتهت إليه. فليست الحضارة الغربية إلا خلاصة ما انتهت إليه التجربة الإنسانية، فهي تحمل أثر الحضارات التي سبقتها، وتحمل ميسم ثقافات عديدة معاصرة. ويمكن أن تختلف الثقافات، وهي تختلف دون أن تختلف الحضارة الغربية. ولليابان مرجعية ثقافية مغايرة للغرب، ولكنه جزء من الحضارة الغربية. وإذن فالغاية التي ينبغي أن تحدوَنا هو أن نعيش وفق ما انتهت إليه التجربة الإنسانية. وليس يكفي أن نقول بذلك، ولا أن نتبنى بعضا من نتاج هذه الحضارة، فنلبس لباس الغربيين، ونأكل مأكلهم، ونحذق تقنياتهم، ونتكلم لغاتهم … لا يكفي ذلك، لابد أن تنطبع أذهاننا بنفس ذهنية الغربيين، لا لأنهم غربيون، ولكن لأنهم من يحمل مشعل الحضارة الكونية، ومن رسم معالمها وحدد مرجعيتها ووضع نواميسها. ولذلك نحن مطالبون أن تكون لنا بنية ذهنية تفكر مثلما يفكرون، فترى أن العقل هو منطلق كل شيء، وتربط بين الظواهر بعلاقات سببية، وتنظر نظرة نسبية لكل شيء. وبتعبير آخر، لا بد أن ندخل تلك المرحلة التي يتكلم عنها مؤسس علم الاجتماع أوكَست كونط، مرحلة العلم، ونُطلق مرحلة الميتافزيقا. ليس ذلك بالأمر الهين. لأننا لم نمر من كل المراحل التي مر منها الغرب، ولم تكن مظاهر الحداثة عندنا نتاجا لمسار طبيعي وتطور تاريخي. ومن السهل أن ننقل تقنيات الغرب، كما نفعل دوما، وليس من اليسير أن نُشيع البنية الذهنية التي كانت وراء تلك التقنيات وانتهت إلى تلك الاختراعات. وقد توجد عند أشخاص معدودين أو فئة محدودة، ولكنها ليست عامة ولا شاملة. إن هذا الوضع بين أقلية لها بنية ذهنية مطابقة لروح العصر، وغالبية ترزح تحت ثقل أوضاع اجتماعية تحول دون تطبعها ببنية ذهنية موضوعية، وتأثير تقاليد تصدها عن الانطباع بمستلزمات العصر، وهو ما يفضي عندنا إلى اختلالات ويؤدي إلى تضاربات وإلى سكيزوفرينيا مثبطة “(5).

فهذه الفقرة تكشف عن التوجه الإيديولوجي الليبرالي التنويري الذي صدر عنه المؤلف، فمن خلاله عالج مكونات المنظومة التعليمية وساءلها مما قبل مرحلة التمدرس إلى التعليم الجامعي، وناقش دور الأسرة، ومسؤولية المجتمع بمختلف أطيافه، ومن خلال منطق تلك الإيديولوجية عمل على إقناع الهيئات المسؤولة أو الفاعلين. فتلك الرؤية سارية في العمل بأسره فجاءت كما يقول المتنبي :

– كسلك الــدُّر يخـفـيـه الـنـظـام –

كما تشي تلك الفقرة عن تناص عمله واستظلاله بمشروع “مستقبل الثقافة في مصر” لطه حسين .

فإذا كان طه حسين قد اعتز بفرعونية مصر وربطها بالغرب وبالذات بجنوب البحر الأبيض المتوسط، فإن الشريف حسن أوريد قد أصل في الفصل الأول من الباب الأول لساكنة المغارب الذين احتكوا بحضارات ضاربة في القدم فتأثروا وتركوا بدورهم ندوبا في تلك الحضارات، وانطبعوا انطباعا وجوديا بالحضارة العربية الإسلامية التي شرفوا بالانتساب إليها على حد قول ابن باديس :

– وإلــى العــروبـة يـنـتـسـب –

كما ارتبطوا ارتباطا عميقا وأصيلا بالغرب المتمثل في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، وتاريخ الأندلس السياسي والحضاري والثقافي شاهد على ما استفادته الحضارة الإنسانية من ذلك التفاعل والتواشيج والاندماج .

arArabic