بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله وصحبه أجمعين
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا…… سورة الأحزاب الآية : 23 .
محمد الطوكي
شكرا لكل من ساهم في تنظيم هذا اللقاء ، لقاء العرفان ، و شكرا لحرص الحضور الغفير على الإستجابة لداعي الوفاء ، والأخذ بقوة هذه القيمة من القيم الإنسانية التي أصبح القابض عليها كالقابض على الجمر . و تعازينا لأسرة فقيدنا العزيز ، لأرملته المخلصة السيدة ( آن ماري ) ، و بنتيه الصالحتين و لكافة أسرته و خلصائه و أخصائه .

صورة من حائط المبدع أحمد بن سماعيل
وبعد : فإن مداخل الحديث عن الفقيد العزيز، عبد الغني أبي العزم ، متعددة ، و قد رشحته و رفعته إلى مستوى الخالدين ؛ و يتجلى فضله و نبوغه في موسوعيته : فهو باحث لغوي فذ ، و أديب و مؤرخ و مترجم ، استطاع أن يوازن بين هذه الحقول العلمية و الأدبية و بين العمل السياسي . ولهذا عندما هممت بكتابة هذه المرثية أخرصني اتساع عوالمه و ارتج علي ، مما جعلني ، و لا أكتمكم سرا ، أراجع تراجم الخالدين من بعض أعلامنا لعل العي يزول و تسلس العبارة . فوجدت كتبة السير و المراثي يثنون على أخلاق العلم ، و تتوالى الشهادات مذكرة بأنه كان يواظب على سبيل المثال ، على تلاوة القرٍآن ، و أداء الصلاة ، و ينفون عن الراحل كل ما يزري به ….. إلخ . (1) و هكذا رجعت إلى عنوان هذه الكلمة أستوحيه ، فانبرى لي قارئ ضمني غاو يسائلني عن العلاقة بين الضريح و الآية القرآنية ( من المؤمنين رجال … ) فكان علي أن أقنعه ليسلس عنان الكتابة و يلتئم أمر التلقي ؛ فارتأيت محاججته بإبداع الفقيد – الضريح الذي هو مظنة الحدس و الاستنباط و المشاعر بدل أبحاثه الأكاديمية ،التي هي مظنة العقل و المنهج و الاستقراء ؛ فالضريح عمل سير ذاتي روائي يتفاعل فيه الواقع و الرواية و الخيال و الإحساس و الإنفعال و يتداخل فيه الأشخاص و الأصوات و يتعايش فيه الماضي و الحاضر و المستقبل . لنستمع إلى نفس المرحوم و هو ينتشي بجلال الأزمنة الرمضانية و جمالية الأمكنة التي يسري بين منعرجات دروبها و مراوحة أشعة شمسها بين المد و القيض لحن حزين كان يغشاه في زمان الصبا والمراهقة ويدمغ أعماله بالمعاناة والطموح خلال فترة الشباب و ما أعقبها .
يقول : كان شهر رمضان من أحب الشهور إلي ؛ كنت أجد ما تشتهيه نفسي طعاما و لعبا و متعة و فرحا و تعبدا ؛ بمجرد ما أشرب الحريرة بعد آذان المغرب أخرج إلى ديور جداد لألتقي مع ثلة من رفاق الدرب ، و منه نتجه إلى – الدص – و بعد ذلك إلى المسجد أو إلى بهو الضريح ، أو إلى جامع الفنا مباشرة ؛ لا نعود إلى ديارنا إلا في ساعة متأخرة ، كان صوت الغيطة المليء بكل التأوهات الحزينة ، و هي تنبعث من أعلى الصومعة ، تثير إحساسا غريبا لم أكن أعرف سره ؛ كنت أتمنى أن يستمر الغياط الليل كله و هو يزمر ؛ إنها النغمة التي لا زالت أصداؤها ترن في أذني ؛ و هذا سر ميولي إلى موسيقى الناي ؛ و هي الآلة الموسيقية الوحيدة التي حاولت تعلمها فيما بعد على يد أحد قاطني – الدص – سيدي بلعباس . (2) مقطع يطفح بمشاعر الفرحة البريئة المشوبة بحزن دفين ، إذ لا وجود لفرحة مطلقة و لا لحزن مطلق بل الأمر نسبي ؛ فكأني بهذا النص الخارج عن المألوف ينبىء بما قدر الله و قضى ؛ فقد أسلم عزيزنا الروح لبارئها في أحب الأشهر لديه و في ليلة قدر خير من ألف شهر .
ويقول في مقطع ثان : ” ارتبطت بفضاء سيدي بلعباس اتباطا وثيقا و شكل جزءا كبيرا من ذاكرتي . و كنت لا أستطيع الغياب عنه طويلا ؛ و كلما عدت إليه أشعر بأن طفولتي تمشي و تتحرك أمامي . وعندما عدت إليه بعد غيبة طويلة دامت خمس عشرة سنة و جدت نفسي و كأنني لم أغادره إلا بالأمس القريب لا شيئ تغير بالقدر المطلوب ، حتى – الصرب – الذي تركته مخنوقا يزكم الأنوف لا زال مخنوقا ، و العميان في أماكنهم بعصيهم و الغرباء الفقراء يلاحقون كالعادة كل زائر ، و كنت هذه المرة الزائر الملاحق الذي يشبه إلى حد ما سياح مراكش ؛ لأنني كنت حاملا لآلة تصوير و معي ابنتي و عمرها ثلاث سنوات و نصف و زوجتي التي حرصت على أن تأخذ منديلا لتغطي به رأسها احتراما للمقام . ” (3) شعرت و أنا أقرأ اليوم هذين المقطعين من سيرته بنوع من التلقي مباين لقراءتي الأولى للعمل هز كياني ، فللمقطعين ظاهر و باطن ، واقع تولى و ذكرى تتحدى الفقد و الغياب ذرفت العينان و ردد اللسان ، ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي … ) سورة الفجر الآيات من 27 إلى 30 . رحم الله سيدي عبد الغني فقد قدمت إلينا درسا لا ينسى ، فقد استمتعت بما اتسمت به الحداثة من حيوية و إبداع ، و في الوقت نفسه ظلت وفيا لتراثك القومي و لعقيدتك الموروثة و المعقولة في آن واحد . ” (4)
مراكش : الجمعة 24 أبريل 2026 م موافق 6 ذو القعدة 1447 هـ .