إعداد القسم الثقافي للمراكشية
«ذاكرة مراكش».. سلسلة تستعيد صورة المدينة الحمراء من الكتب والصور والشهادات، قبل أن تضيع التفاصيل التي لا تحفظها الذاكرة الرسمية.
قبل أن تصبح قبلة للسياح.. كيف بدت أشهر ساحات مراكش للغرباء؟
في هذه الأيام من الصيف، ومع امتلاء مراكش بالزوار، تبدو ساحة جامع الفنا وكأنها تعيش موسمها المعتاد: حلقات تتشكل مع اقتراب المساء، أصوات الموسيقى والحكاية، باعة المأكولات، حركة لا تهدأ، ووجوه تأتي من مدن وبلدان مختلفة لتكتشف المكان الذي أصبح واحداً من أشهر رموز المدينة الحمراء.
لكن جامع الفنا التي يراها زائر اليوم ليست هي تماماً الساحة التي عرفها أجداد المراكشيين، ولا هي نفسها التي وقف أمامها الرحالة الغربيون قبل أكثر من قرن.
فالساحة كانت، قبل عصر السياحة الجماعية، فضاءً للحياة اليومية واللقاء والتجارة والفرجة، تتغير ملامحه بحسب ساعات النهار والمواسم والأحداث. ولهذا استوقفت انتباه الرحالة والباحثين الأجانب الذين مروا بمراكش، وحاولوا أن ينقلوا إلى قرائهم في أوروبا صورة مدينة بدت لهم بعيدة ومختلفة عن عالمهم.
ومن بين هؤلاء الصحفي والرحالة البريطاني والتر هاريس، مراسل صحيفة The Times، الذي عاش سنوات طويلة في المغرب وعاصر مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد قبل فرض الحماية الفرنسية. وقد ترك في كتابه «Morocco That Was» شهادة واسعة عن المغرب الذي عرفه في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
لم يكن هاريس مجرد سائح عابر. فقد عاش في المغرب نحو 35 عاماً، وشهد السنوات الأخيرة من المغرب المستقل قبل الحماية، وهو ما جعل كتاباته مصدراً مهماً، وإن كان بالطبع ينبغي قراءتها باعتبارها شهادة غربية لها زاوية نظرها الخاصة إلى المجتمع المغربي.
مراكش التي لم تكن تحتاج إلى دليل سياحي
في زمن هاريس، لم تكن مراكش مدينة سياحية بالمعنى الذي نعرفه اليوم. لم تكن الفنادق الكبرى والرحلات المنظمة والخرائط السياحية جزءاً من المشهد، ولم تكن جامع الفنا قد تحولت إلى صورة عالمية تختصر المدينة في ذهن الملايين.
كانت الساحة جزءاً من حياة المدينة نفسها.
فالزائر لم يكن يأتي إليها فقط لكي «يرى عرضاً»، وإنما كان يدخل إلى فضاء تتقاطع فيه التجارة واللقاء والفرجة والمعلومة والحكاية. وكانت الحلقة، بما تضمه من راوٍ أو موسيقي أو صاحب فرجة وجمهور، إحدى أهم آليات التواصل الشعبي.
وهنا تكمن خصوصية جامع الفنا: إنها لم تكن مسرحاً بالمعنى التقليدي، لأن الجمهور لم يكن منفصلاً عن العرض، ولم يكن العرض منفصلاً عن الحياة اليومية.
لقد كان المشاهد نفسه جزءاً من المشهد.
من ساحة إلى «مسرح مفتوح»
تظهر أهمية جامع الفنا في أن وظيفتها لم تكن ثابتة. ففي النهار تختلف عن المساء، وفي مواسم معينة تختلف عن بقية السنة، كما تتغير أنواع الأنشطة والأشخاص الذين يحتلون فضاءها.
وحتى اليوم، ما زالت الساحة تحتفظ بجزء من هذه الخاصية؛ إذ يمكن أن تبدأ هادئة نسبياً ثم تتحول مع اقتراب الغروب إلى فضاء مكتظ بالحلقات والأصوات والأطعمة والفرجة.
وهذه الاستمرارية ليست تفصيلاً عابراً. فهي التي جعلت جامع الفنا موضوعاً للبحث في الثقافة الشفوية، وليس مجرد موقع عمراني.
وقد أظهرت دراسات ومصادر حديثة أن القيمة الأساسية للساحة ترتبط بالثقافة الشفوية التي تشمل الحكايات والموسيقى والرقص والعادات والتقاليد، وهي العناصر التي جعلت جامع الفنا رمزاً ثقافياً يتجاوز حدود مراكش. كما أن مقارنة الصور التاريخية للساحة، من صورة تعود إلى 1912 إلى صور من الأربعينيات ثم 1995، تكشف أن المكان نفسه تغير بصرياً وعمرانياً مع احتفاظه بدوره المركزي في المدينة.
صورة غربية.. وذاكرة مراكشية
لكن قراءة الرحالة الغربيين لجامع الفنا تحتاج إلى شيء من الحذر.
فهم لم يكونوا مراكشيين، وكانوا يأتون إلى المدينة بعين مختلفة، وفي أحيان كثيرة كانوا يبحثون عن الغريب والاستثنائي والمثير في المجتمع الذي يزورونه. ولذلك فإن ما كتبوه لا يمثل بالضرورة «الحقيقة الكاملة» عن جامع الفنا، وإنما يمثل كيف رآها ذلك القادم من الخارج.
وهذه المسافة بين «المكان» و«النظرة إليه» هي التي تجعل نصوص الرحالة مثيرة للاهتمام اليوم.
فنحن لا نبحث فيها فقط عن جامع الفنا التي اختفت، بل نبحث أيضاً عن الصورة التي تركتها مراكش في ذاكرة من زارها قبل أن تصبح المدينة جزءاً من صناعة السياحة العالمية.
ومن هنا تبدأ «المراكشية» سلسلة «ذاكرة مراكش»، التي ستعود في حلقات متتابعة إلى كتب الرحالة والباحثين والكتاب الذين وصفوا المدينة، وسنحاول من خلالها أن نضع النص القديم إلى جانب مراكش الحالية.
سنبحث عن الساحة التي عرفها الحكواتيون، وعن أصحاب الحلقات، وعن “الگرابة” وباعة الطعام والموسيقيين، وعن الليل المراكشي قبل الكهرباء والسياحة الحديثة، وعن جامع الفنا في زمن الحماية، ثم عن اللحظة التي بدأت فيها الساحة تتحول من فضاء محلي إلى رمز عالمي.
وفي كل حلقة سنطرح السؤال نفسه:
ماذا رأى الغريب في مراكش؟
وماذا بقي من مراكش التي رآها؟
وهل ما زالت جامع الفنا التي نزورها اليوم تحمل شيئاً من الساحة التي عرفها الأجداد؟
