الصفحة الرئيسيةمنوعاتثقافة \ أبحاث

معجم “كولان” للعامية المغربية..1/ مرجع تأسيسي في توثيق الذاكرة اللغوية المغربية

المراكشية: خاص

يعد معجم كولان للعامية المغربية من أهم الأعمال المعجمية التي أرخت للهجات المغربية في القرن العشرين، إذ لم يكن مجرد قائمة للمفردات، بل مشروعا علميا لتوثيق لغة الحياة اليومية كما يتداولها المغاربة في مختلف البيئات الاجتماعية.

وقد أنجزه الباحث الفرنسي جورج س. كولان بعد سنوات طويلة من المعايشة الميدانية، ليصبح مرجعا أساسيا للباحثين في اللسانيات واللهجات والتاريخ الاجتماعي للمغرب.
جاء تأليف هذا المعجم نتيجة شغف كولان بالمغرب وثقافته الشعبية. فقد كان مفتونا بتاريخ البلاد وعاداتها وأعرافها، ورأى في الدارجة المغربية تعبيرا حيا عن شخصية المجتمع المغربي. لذلك انصرف إلى جمع مفرداتها وتسجيل معانيها واستعمالاتها من خلال الاحتكاك المباشر بالناس، بعيدا عن الاقتصار على المصادر المكتوبة. وتشير مقدمة المعجم إلى أن كولان كان يفضل الجلوس في المقاهي والأسواق ومجالسة العمال والبسطاء، لأنهم – في نظره – يحافظون على اللغة في صورتها الطبيعية، بعيدا عن التكلف والتصنع.
واعتمد كولان في عمله على منهج ميداني يقوم على الاستماع والتدوين والمقارنة، فجمع آلاف الكلمات والتعابير والأمثال، مع بيان دلالاتها وأصول عدد منها، مبرزا ما تحمله العامية المغربية من روافد عربية وأمازيغية وأندلسية وإفريقية ومتوسطية. وبذلك تحول المعجم إلى وثيقة لغوية وثقافية تكشف تاريخ التفاعل الحضاري الذي عرفه المغرب عبر القرون.
وتبرز أهمية المعجم في كونه تجاوز النظرة التقليدية التي كانت تعتبر اللهجات مجرد لغة عامية لا تستحق الدراسة، إذ قدم الدارجة المغربية بوصفها نظاما لغويا متكاملا له خصائصه الصوتية والصرفية والدلالية. كما أسهم في حفظ مفردات كانت مهددة بالاندثار، مما جعله مصدرا لا غنى عنه للباحثين في اللسانيات والأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي.
وقد صدرت الترجمة العربية للمعجم عن دار المناهل بدعم من وزارة الثقافة المغربية، وهو ما أتاح لهذا العمل الوصول إلى جمهور أوسع من الباحثين والمهتمين بالتراث اللغوي المغربي. ولا يزال معجم كولان، رغم مرور عقود على إنجازه، يمثل إضافة علمية بارزة في دراسة اللهجات المغربية، لأنه جمع بين الدقة الأكاديمية والمعايشة الميدانية، وحافظ على جزء مهم من الذاكرة اللغوية والثقافية للمغرب.

arArabic