المراكشية — الموقع الإخباري الأول في المغرب — تأسس سنة 2005
عاجل
ثقافة \ أبحاث

هل يصح عَدُّ الشاعر أحمد سهوم من الباحثين في الملحون ؟

د . مولاي علي الخاميري- أستاذ جامعي – مراكش

سؤال مستفز ظل يراودني كلما قرأت شيئا مما كتبه الشاعر أحمد سهوم رحمه الله عن الملحون ، هنا يجب أن أوضح نقطتين أساسيتين حتى لا أتهم بتسرع ، وسوء طوية من طرف المتتبعين والعاشقين للشاعر المذكور .

كتاب الملحون

النقطة الأولى هي أنني لن أتكلم على شاعرية أحمد شهوم ، ولا أعنيها في هذا المقال ، وإن كنت أحتفظ لنفسي فيها بملاحظات سأذكر نماذج منها فيما بعد .

النقطة الثانية تقول بضرورة التفريق بين البحث بمعاييره المعروفة ، وبين القراءة والتحليل والتذوق ، فليس كل قارئ باحثا ، والعكس كذلك صحيح ، فالشاعر أحمد سهوم كان قارئا ومتذوقا لقصيدة الملحون ، ومطلعا على خباياها المختلفة ، والسؤال الذي يجب طرحه هو : هل أسعفه كل ذلك ، ومكنه من درجة البحث .

من المآخذ الأولية التي تبين لنا الإشكالية بوضوح أن ما يروج ونسمعه من معلومات في اللقاءات والتسجيلات الخاصة بالشاعر المذكور أهلته في وعي الكثيرين لحشره في زمرة الباحثين بلا تدقيق ، وبتسليم يطغى عليه الإعجاب العاطفي المكتفي بالمعلومات ، أو الاختبال بكلام الرجل المعسول وهو يشرح المعنى ، ومعه توهموا ما توهموا ، وعند مطالعتنا لقواعد البحث الأولية سنلاحظ أن الأمر كان سيكون صحيحا لو أن الرجل استطاع أن يصنع بصمته البحثية ، ويضيف إجابات تحسب له عن الأسئلة المطروحة ، العالقة بقصيدة الملحون لحد الآن ، ويُظهِر براعتَه الذاتية في مجال الكشف وبتعمق أكبر وأكثر ، ويوقفنا على حصيلة عمله التي استطاعت أن تزيل الغموض عن إشكالية ، أو إشكاليات الملحون التعددة ، والمطروحة بحسب فهمه ، وذوقه ، وهو ما لا نجد له أثرا فيما خلفه في كتابه : ( الملحون المغربي…..) فقد جاءت محتوياته باهتة وناقصة ، وضعيفة ، ومكررة ، وأقل من ناحية الوزن المعرفي مقارنة بما يتميز به على صعيد القراءة والتأمل ، وبما أنجزه باحثون قبله .

والتصاقا برؤيتي كنت أُمَنِّي النفس بأن أجد تفصيلا من التوضيح والشروح في موضوع إيقاع قصيدة الملحون ، فكل الباحثين – ولحد الآن – لم يفلحوا في تسليط الإضاءة المرجوة على الجانب المذكور ، والأستاذ سهوم يغريك عندما تستمع إلى قراءاته وتحليلاته بالقدرة على فك بعض الطلاسيم ، وبالمزيد من الكشف والتعرف والتعريف ، وكما قلت فأي شيء من هذا لم يحدث ، مما يعني أن موهبة الرجل لم تتخط المضامين الذي تحدث عنها وإن لم تؤهله ليصبح باحثا .

عندما طرحت سؤال قصور الشاعر سهوم عن الإفصاح عن هويته البحثية عموما ، وما يتعلق بإيقاع قصيدة الملحون خصوصا – وكنت ، ولا زلت أطرح الإشكال مع أي باحث ومهتم ألتقي به – ومن هؤلاء من حكى لي وقال : إنه طرح السؤال نفسه على الشاعر مباشرة ، فأجابه بأنه لم يُعط شيئا في الباب ، ولم يُفتح عليه فيه ، وهو الشاعر المكثر ، والقارئ المؤثر ، والصوت الخالب الذي تكلم كثيرا على شعر الملحون .

هذا التعارض شكل لي مشكلة ، وورثني إشكالا ، أَقبَعُ تحت تأثيره إلى يومنا ، ومما زاد الموضوع غموضا هو ما ظل يُحكى لي من طرف المهتمين بشعر الملحون ، ففيه العجب العجاب ، وسألخصه فيما يلي :

كيف لشاعر بحجم سهوم رحمه الله ، وبحجم ما يروى عنه أنه قادر على إخفاء نفسه ضمن قصائد شعراء آخرين بالزيادة والنقصان والتلفيق والتصحيح ، وأنه فعل ذلك مرارا ، والعهدة على أصحاب الحكايات الذين يضيفون أنه لم يكن لديه أي حرج في منح شعره لكل طالب ووافد ، ولا مشكلة عنده في نسبه إلى غيره ، ودائما في إطار الحكايات سمعت من فم أحد الباحثين الكبار بعد وفاة سهوم رحمه الله أن مجموعة من العيون تراقب بعض ( الشعراء ) المعاصرين الذين كانت لهم صحبة وزيارات له ، هل سيستمرون في قول الشعر كما كانوا ، أم أنهم سيصمتون ، ما دام مصدر شعرهم فيه شك ، ويعزى للرجل المُتَوَفَّى ، ولا أعرف لحد الآن هل توصلوا إلى نتيجة ، وكيف كان محتواها ؟! .

أرجع إلى شاعرية أحمد سهوم ، وسبق أن قلت إنني سأبدي فيها ملاحظات ، وعلى رأسها أنني أعتبره شاعرا مجيدا في غرض العشاقي بالتحديد ، ففيه فتق لموهبة متقدة وواضحة ، وفيه صدق واسع ، مشبع بحرمان ذات مشتعلة ، وشكوى عريضة ودائمة تعلمنا بأن الرجل قد اكتوى بجماره في مختلف مراحل عمره ، وحرم من لذاته ، أو حرم من تلك الصورة المطلوبة ، والملائمة لما يهوى ، ويجري في دواخله ، وما يرتضيه كيانه ، فصاغه ببراعة جمعت ما بين معالم نفسية هائجة ومتهالكة ، وما بين مواصفات فكرية وفنية جميلة سأكشف عن معالمها بالتفصيل – بحول الله – في الجزء الثاني من كتابي المرتقب : ( قضايا شعر الملحون ) الذي سأخصصه لمسار البحث العلمي في قصيدة الملحون لدى مجموعة من الباحثين الرواد والمعاصرين .

ومن باب التذكير المختصر جدا بموقفي إزاء شاعرية سهوم رحمه الله سأختم مقالي هذا بمؤاخذة أخرى ، تمس ديوانه الشعري ، وتثبت تأثيره السلبي الذي أصفه بالضخم والضرر على شعر الملحون ، فقد حوله إلى يافطات تمجد بلا حساب ، وتزين بلا حدود ، وتقحم نفسها بلا اعتبار لقواعد التراث الموروث ، ولتقاليده الخارجية المعروفة ، مما يؤكد على ما قلناه من عدم تمكنه من ناصية البحث ، فبسهولة ، ويمكن أن أقول باستخفاف منه جعله قيثارة منفصلة عن صاحبها ، ومسارها المتحكم حين أقحمه في صلب المناسبات بكثرة ، وبلا إحساسات ، أو إضافات حقيقية ، فالاحتفال الكثيف ، او المبالغ فيه بمناسبات وطنية عديدة ، لم نر له فيها مشابها عند المقارنة بما نطالعه من ذلك الشعر في قديمه وحديثه إلا ما استفرد به الرجل ، على اعتبار أن شاعر الملحون عموما وعلى سبيل المثال لم يكثر من مدح أحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وزمرة من الأقطاب الأولياء ، وحتى الذين احتفلوا بالمناسبات الوطنية لم يغلبوها على نسق قصيدة الملحون ، وكان حجمها إزاء ما كتبه كل شاعر ضيقا ومحدودا ، وبلمسة ظاهرة تدل على صاحبها ، على عكس ما نجد في ديوان الشاعر أحمد سهوم رحمه الله ، ورب قائل يقول بأن الشاعر أراد من الإكثار أن يبرز وجه شعر الملحون المشرف ، وأنه لا يقل أهمية عن تلك الأنماط الإبداعية التي تشارك في تلك المناسبات ، قد يكون هذا دافعا صحيحا لو أن المكتوب من الشعر توفق في إيجاد مسارات جديدة لقصيدة الملحون ، بالإضافة إلى أن القصيدة المذكورة لم تستفد شيئا من المنجز ، بمعايير كل المستويات ، ولعل أحدا من القراء لا يتأثر بها ، أو يلتفت إليها ، وربما يتأذى منها ، وهذه الصورة تتغير في شعر العشاقي الذي برع فيه صاحبنا بتجديد وتطور وتطويع لقوالب القول ، واختراع لمجرى نسمات تنقل بأمان وتأثير عن اشتعال كيان بصمت ، متدفق من نفس مكلومة ومصدومة ، لم تهنأ في علاقاتها ، ومشوار عشقها….فاستطاع بتلك الحرقة أن يستوعب وأن يفيض ، ويصقل أقواله بمقدار يتساوى مع حرقة النفس الملتهبة ، وما يعتمل في الدواخل ، ويدور مع الأفكار وفق رؤية فكرية وفنية ، مكنته من البوح الصادق ، والفوز بلحظات الصفو والصفاء ، والرضا والانسجام والتفاعل بتأمل عميق مع مراده وشاعريته المخبوءة والمعلومة في آن واحد .

اقرأ أيضًا

الطقس

أوقات الصلاة

صيدليات الحراسة

💊 صيدلية باب اغمات
💊 صيدلية المواسين

المصدر: نقابة صيادلة مراكش