المراكشية: إعداد القسم الثقافي
لم تكن الحكاية وحدها ما يصنع سحر جامع الفنا.
ففي قلب الساحة التي عرفت منذ قرون باعتبارها فضاءً للقاء والتجارة، ظهرت أشكال متعددة من الفرجة الشعبية: الحكواتي، الموسيقي، البهلوان، الراقص، صاحب الألعاب، مروض الحيوانات، العرّاف، والمعالج الشعبي، وكل واحد منهم كان يعرف كيف يصنع حول نفسه حلقة من المتفرجين.
بهذا المعنى، لم تكن جامع الفنا مسرحاً بالمعنى التقليدي، لأنها لم تكن تحتاج إلى خشبة. كان الفنان يقف في قلب الساحة، والجمهور يصنع المسرح من حوله.
وتؤكد اليونسكو أن الفضاء الثقافي لجامع الفنا ارتبط تاريخياً بتنوع كبير من العروض، بينها الحكاية، والأكروبات، والموسيقى، والرقص، والألعاب والمشاهد الفكاهية، إلى جانب عروض أخرى، وأن الساحة ظلت فضاءً للقاء بين سكان مراكش والقادمين إليها.
حلقة تتشكل.. وأخرى تختفي
كان المشهد يتغير باستمرار. يبدأ أحدهم عرضاً فيتجمع حوله عدد من الأشخاص. يكبر العدد، وتكبر معه الحلقة، ثم تنتهي الفرجة وينصرف الناس، لتتشكل بعد لحظات دائرة أخرى في مكان آخر. وهذه الحركة هي جوهر الحلقة.
فهي ليست بناءً ثابتاً يمكن تحديد حدوده، وإنما تجمع مؤقت بين مؤدٍّ وجمهور. ولذلك كانت الساحة تبدو وكأنها تتحرك باستمرار؛ أصوات من هنا، موسيقى من هناك، مجموعة تضحك، وأخرى تتابع عرضاً، فيما ينتقل بعض المتفرجين من حلقة إلى أخرى.
وتصف دراسات عن جامع الفنا الحلقة باعتبارها عنصراً أساسياً في هوية الساحة، إذ تتشكل وتتفرق باستمرار وفق حركة الجمهور، وتضم مجموعات من الموسيقيين والحكواتيين والمعالجين والبهلوانيين وغيرهم من أصحاب الفرجة.
ولذلك لم يكن الجمهور مجرد متلقٍّ. كان جزءاً من العرض.
موسيقى وحركة وضحك
إلى جانب الحكواتي، عرفت الساحة أشكالاً مختلفة من الأداء الموسيقي. كان للموسيقيين الأمازيغ حضورهم، كما عُرفت فرق كناوة، وراقصون، وعازفو الآلات التقليدية، إلى جانب أصحاب العروض المختلفة.
وتشير وثائق اليونسكو إلى حضور الموسيقيين الأمازيغ، وراقصي كناوة، وعازفي السنتير أو الهجهوج، إضافة إلى الشعراء والحكواتيين ضمن المشهد الثقافي للساحة حيث كان لكل فرقة جمهورها.
فمن جاء بحثاً عن الحكاية يمكنه أن ينتقل إلى حلقة موسيقية، ومن جذبته الموسيقى قد يتوقف أمام عرض بهلواني، ومن جاء لمشاهدة الفرجة قد يجد نفسه أمام مشهد لم يكن يتوقعه.
هكذا كانت جامع الفنا تقدم فرجة متعددة الأصوات، لا عرضاً واحداً.
البهلوان أولاد حماد موسى.. فرجة الجسد
إذا كان الحكواتي يعتمد على الصوت والخيال، فإن البهلوان كان يعتمد على الجسد والحركة والمفاجأة في القفز، والتوازن، والحركات الاستعراضية، والمواقف الكوميدية، كلها كانت قادرة على جذب المارة بسرعة.
ولهذا كانت أنواع الفرجة المختلفة تتعايش في الساحة، ويتنافس أصحابها بطريقة غير معلنة على أهم شيء: جذب العين والأذن.
وتضع اليونسكو الأكروبات ضمن العناصر الأساسية للفرجة التقليدية في جامع الفنا، إلى جانب الموسيقى والحكاية والعروض الفكاهية والرقص.
حين كانت الساحة تجمع عالماً كاملاً
المثير في تاريخ جامع الفنا أن هذه الأنشطة لم تكن منفصلة عن الحياة اليومية.
فالساحة كانت في الوقت نفسه مكاناً للتجارة، واللقاء، وتقديم خدمات مختلفة، وممارسة الطب التقليدي، والوعظ، والتنجيم، والوشم بالحناء، وبيع الطعام، إضافة إلى العروض.
ولهذا وصفتها اليونسكو بأنها فضاء ثقافي مركب تتداخل فيه الممارسات الاجتماعية والتجارية والفنية، وليس مجرد مكان للترفيه. وهذا ما يجعل محاولة فصل «الفرجة» عن «الحياة» في جامع الفنا أمراً صعباً.
فالرجل الذي يأتي إلى الساحة لشراء شيء قد يتوقف أمام حلقة، والتاجر قد يصبح متفرجاً، والعابر قد يتحول إلى جزء من الجمهور، والسائح الذي جاء لمشاهدة الساحة يجد نفسه داخل مشهد لم يكن معداً أصلاً من أجله.
من الفرجة المحلية إلى الصورة العالمية
مع مرور الزمن، تغيرت طبيعة الجمهور.
لم تعد جامع الفنا تستقبل سكان مراكش والقادمين من المناطق المجاورة فقط، بل أصبحت وجهة للزوار من مختلف أنحاء العالم. وهنا بدأت الفرجة نفسها تتغير.
فالفنان الذي كان يؤدي أمام جمهور يعرف ثقافة المكان ولغته، أصبح يؤدي أيضاً أمام جمهور أجنبي قد لا يفهم الدارجة أو الأمازيغية، لكنه يفهم الحركة والموسيقى والصورة.
وتشير دراسة للباحث الألماني توماس شميت حول التحولات التي عرفتها جامع الفنا إلى أن الساحة أصبحت تستقبل جمهوراً محلياً وإقليمياً وسياحياً دولياً، بينما استمرت أشكال الفرجة التقليدية داخل الحلقة، مثل الحكواتيين والبهلوانيين والموسيقيين العرب والأمازيغ وفرق كناوة.
وهكذا بدأت الحلقة تنتقل تدريجياً من كونها ممارسة اجتماعية داخل المدينة إلى كونها أيضاً جزءاً من العرض السياحي لمراكش.
هل تغيرت الفرجة أم تغير جمهورها؟
السؤال ليس بسيطاً.
فجامع الفنا لم تتوقف عن إنتاج الفرجة، لكنها أصبحت مطالبة بالتكيف مع جمهور جديد ووسائل جديدة.
الحكواتي لم يعد يروي بالضرورة بالطريقة نفسها.
والموسيقي يعرف أن أمامه جمهوراً قد يصور العرض بهاتفه.
والحركة التي كانت تعيش لحظتها وتنتهي أصبحت قابلة للتسجيل وإعادة المشاهدة.
وهنا تظهر مفارقة العصر الحديث.
في سنة 2001 أُعلنت جامع الفنا من روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية، ثم أُدرج فضاؤها الثقافي سنة 2008 في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
لكن الاعتراف الدولي حمل معه سؤالاً آخر:
كيف نحافظ على الفرجة من دون أن نحولها إلى مجرد «فولكلور» يقدم للسائح؟
فالتراث الحي لا يعيش إذا جُمد.
والحلقة لا يمكن أن تستمر إذا أصبحت مجرد ديكور.
وتشير اليونسكو نفسها إلى أن ازدياد السياحة والتوسع التجاري وتغير أنماط الجمهور، إلى جانب تراجع عدد بعض الممارسين التقليديين، تمثل تحديات أمام استمرار هذا الفضاء الثقافي بالشكل الذي حافظ على خصوصيته.
جامع الفنا.. التي لن تنتهي
ربما أن السر الذي جعل جامع الفنا مختلفة عن كثير من الساحات الأخرى، هو أن المكان لا يقدم الفرجة، الناس هم الذين يصنعونها.
كل مساء تقريباً، تتشكل دوائر جديدة، وتختفي أخرى. أصوات ترتفع، وأخرى تخفت. جمهور يأتي، وآخر يغادر.
ثم في اليوم التالي تبدأ اللعبة من جديد.
وهكذا بقيت جامع الفنا، رغم تغير مراكش وتغير جمهورها، مسرحاً مفتوحاً لا يملك ستارة لإسدالها.