المراكشية: إعداد القسم الثقافي
لم يكن بقاء موكب الشموع مرتبطاً بقصر البديع وحده. فبعد أن ارتبط هذا الاحتفال في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي بالمولد النبوي وبالمجال السلطاني في مراكش، بدأت الشموع تجد طريقها إلى ذاكرة مدن أخرى، غير أن التقليد الذي استمر وتطور بشكل لافت هو الذي احتضنته مدينة سلا. وهكذا، بينما اختفى الموكب من مراكش مع مرور الزمن، بقيت الشموع حاضرة في سلا لتتحول من احتفال مرتبط بالبلاط إلى تراث مديني تتناقله الأجيال.

من قصر السلطان إلى أزقة سلا
في مراكش كانت الشموع تدخل إلى فضاء الاحتفال السلطاني، أما في سلا فقد خرجت إلى الشوارع وأصبحت المدينة نفسها مسرحاً للموكب. ومع مرور الوقت، ارتبط استمرار هذا التقليد بالزاوية الحسونية وبالولي مولاي عبد الله بن حسون، الذي كان من الشخصيات الدينية البارزة في سلا خلال العصر السعدي، فتحول الاحتفال تدريجياً إلى مناسبة سنوية لها طقوسها الخاصة وموعدها ومسارها ومشاركوها.
وهكذا لم تعد الشموع مجرد هياكل يحملها رجال في مناسبة سلطانية، بل أصبحت جزءاً من هوية المدينة. تصنع لها هياكل خشبية ضخمة، وتغطى بالشمع الأبيض الملون، وتزين بأشكال مستوحاة من المآذن والقباب والزخرفة الإسلامية، ثم يحملها رجال يعرفون تقليدياً بـ«الطبجية» في موكب تجوب خلاله شوارع سلا، وسط الأذكار والإنشاد والفرق الموسيقية.
ومع مرور القرون، أخذت سلا تضيف إلى الموكب لمستها الخاصة. لم تعد الشمعة مجرد رمز للاحتفال، بل تحولت إلى قطعة فنية متحركة، تتطلب مهارة في صناعة الهيكل وتطريزه وتزيينه، وأصبحت بعض العائلات تتوارث هذه الحرفة جيلاً بعد جيل. وتحتفظ المدينة بالهياكل طوال السنة، قبل أن تخرج من جديد استعداداً للمولد، لتستعيد الشوارع أضواءها وموكبها وطقوسها القديمة.
بعد صلاة العصر، يبدأ المشهد من جديد. تتقدم الشموع المزخرفة الموكب، ويحملها الرجال على أكتافهم، بينما ترافقهم الفرق الموسيقية والأمداح والأذكار، ويتجمع السكان والزوار على طول الطريق. وينتهي المسار عند فضاء الزاوية وضريح مولاي عبد الله بن حسون، حيث يستمر الاحتفال ليلاً بالمديح والسماع ورقصة الشمعة وإيقاد الشموع.
وهكذا بقيت الشمعة التي كانت تدخل على السلطان في مراكش حاضرة في المغرب، لكن في صورة جديدة. فقد فقدت ارتباطها المباشر بالبلاط السعدي، واكتسبت في سلا حياة أخرى، فأصبحت ملكاً للمدينة وسكانها، وطقساً ينتظرونه كل عام، وذاكرة لا تحتاج إلى قصر كي تستمر.
ومن قصر البديع إلى أزقة سلا، قطعت الشموع رحلة طويلة: بدأت في أجواء الاحتفال السلطاني، وعاشت في الذاكرة الشعبية، ثم تحولت إلى واحد من أشهر مظاهر المولد النبوي في المغرب. وربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل في الحكاية: مراكش احتضنت المشهد السلطاني، وسلا حفظت الشمعة.
وبهذا تنتهي رحلتنا في المراكشية في 4 حلقات من ليلة المولد في قصر البديع، إلى مجلس المنصور والشعراء والموائد، ثم إلى الشموع التي غادرت فضاء القصر لتستقر في ذاكرة مدينة سلا.