الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

المنصور الذهبي والشعراء والموائد.. 3/ كيف يتم الاحتفال بعيد المولد داخل القصر بمراكش؟

المراكشية: إعداد القسم الثقافي

إذا كانت الشموع هي المشهد الذي يلفت الأنظار في ليلة المولد بقصر البديع، فإن ما كان يجري داخل القصر بعد وصولها يكشف جانباً آخر من الاحتفال. هنا لم تعد المناسبة مجرد موكب وفرجة، بل تحولت إلى مجلس كبير يجتمع فيه السلطان والعلماء والوعاظ وأهل الذكر والمنشدون والشعراء، في أجواء أراد لها المنصور أن تكون في مستوى أبهة عاصمة الدولة السعدية.

من الوعظ إلى المديح

كان المجلس يبدأ بكلمة الواعظ، الذي يتحدث عن سيرة الرسول ﷺ وفضائله ومولده ومعجزاته، ثم ينتقل الدور إلى أهل الذكر والإنشاد. وكانت قصائد المديح النبوي، المعروفة بالمولديات، تحتل مكاناً أساسياً في الاحتفال، تؤدى بألحان وأصوات جماعية، في لحظات تجمع بين الإنشاد والذكر والخشوع.

لكن قصر البديع كان أيضاً مسرحاً للشعر. فبعد المديح النبوي، كان يأتي دور شعراء الدولة وكتابها وعلمائها، فيتقدم الواحد منهم بقصيدته، فيمدح الرسول ﷺ ثم ينتقل إلى مدح السلطان والدعاء له ولولي عهده. وهكذا تحول مجلس المولد إلى مناسبة أدبية كبيرة، يتنافس فيها أصحاب الشعر والنثر أمام السلطان، وتتحول قصائدهم إلى جزء من الاحتفال نفسه.

ولم يكن المنصور مجرد متفرج على هذا المشهد؛ فقد كان يستقبل الشعراء والأدباء في مجلسه، ويمنحهم العطايا بعد انتهاء الاحتفالات. ولذلك أصبحت مناسبة المولد فرصة لإبراز الحركة الأدبية التي كانت مزدهرة في البلاط السعدي، حيث كان الشعراء يتنافسون في جودة القصيدة وحسن الصياغة وقوة المديح.

عندما تتحول القصائد إلى موائد

وبعد أن ينتهي الشعر والإنشاد، يبدأ فصل آخر من الاحتفال: الموائد. كانت الأطعمة تقدم للحاضرين وفق مراتبهم، ثم يفتح المجال للفقراء والمحتاجين، وتقدم أصناف متعددة من اللحوم والطيور والفواكه والحلويات وغيرها. وتصف المعطيات التاريخية وفرة الطعام بشكل لافت، حتى إن ما يتبقى منه كان كثيراً بعد إطعام الحاضرين.

وهنا تظهر صورة أخرى للمولد في قصر البديع: لم يكن احتفالاً مغلقاً على السلطان وحاشيته، بل كان مناسبة لإظهار الكرم السلطاني أيضاً. فبعد انتهاء أيام المولد، كانت تصل العطايا إلى الشعراء والأدباء والعلماء وغيرهم، فيتحول الاحتفال إلى مناسبة دينية وأدبية واجتماعية في آن واحد.

وهكذا، خلف الشموع التي كانت تدخل قصر البديع، كانت هناك ليلة كاملة من الذكر والشعر والطعام والعطاء. كان المنصور يحول المولد إلى احتفال يجمع بين تعظيم المناسبة وإظهار قوة البلاط وثرائه، فيما كان الشعراء يجدون فيه منبراً للتنافس، وكان الفقراء يجدون فيه نصيباً من الموائد والعطايا. وفي الحلقة الثالثة، نقترب أكثر من الشموع نفسها: كيف كانت تُصنع وتُزخرف، ومن كان يحملها، وكيف تحولت من مشهد سلطاني في مراكش إلى تقليد ارتبط لاحقاً بمدينة سلا.

arArabic