للمراكشية: د. نورالدين بلحاج
الحلقة الثانية | حين سبق التخطيطُ العمراني عصره… كيف صنعت مجمعات المواسين وباب دكالة مدينةً متكاملة داخل مراكش؟
إذا كانت الحلقة الأولى قد سلطت الضوء على الرؤية العمرانية التي حملها السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي لإعادة بناء مراكش، فإن الحلقة الثانية تكشف عن الكيفية التي تُرجمت بها تلك الرؤية على أرض الواقع، عبر إنشاء مجمعات دينية واجتماعية وتجارية متكاملة، تعد من أرقى نماذج التخطيط الحضري في العالم الإسلامي خلال القرن السادس عشر.

لم يكن بناء مجمع المواسين ومجمع باب دكالة مجرد تشييد لمسجدين كبيرين، بل كان مشروعاً عمرانياً متكاملاً يجمع في فضاء واحد المسجد، والمدرسة، والحمام، والسقاية، والمرافق الصحية، والأسواق، والأفران، والمرافق التجارية، بما يضمن تلبية مختلف احتياجات السكان داخل الحي نفسه، ويخلق حركة اقتصادية واجتماعية دائمة.
وقد اختير موقع كل مجمع بعناية داخل نسيج المدينة، ليصبح قطباً عمرانياً جديداً يعيد التوازن إلى الأحياء التي عانت من التراجع بعد فترة الاضطرابات. فإلى جانب الوظيفة الدينية، تحولت هذه المجمعات إلى مراكز للتعليم، ونقاط لتوزيع المياه، وفضاءات للتبادل التجاري، ومرافق للنظافة والاستحمام، ما جعلها القلب النابض للحياة اليومية.
وكانت الأسواق المحيطة بالمساجد جزءاً أساسياً من هذا التصور؛ إذ ساهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي، بينما وفرت الأوقاف المخصصة للمحلات التجارية والحمامات مورداً مالياً دائماً لصيانة المساجد والمدارس وضمان استمرارية خدماتها، وهو نظام مالي واجتماعي متطور سبق العديد من النماذج الحديثة في تدبير المرافق العمومية.
أما سقاية المواسين، التي تعد من أشهر المعالم التاريخية بمراكش، فلم تكن مجرد نافورة للماء، بل مؤسسة اجتماعية توفر الماء مجاناً للسكان والمسافرين والدواب، في تجسيد لفكرة التكافل التي ميزت العمارة الإسلامية.
ويؤكد مؤرخون أن هذه المجمعات شكلت نموذجاً مبكراً لما يعرف اليوم بـ”الحي المتكامل”، حيث يستطيع السكان قضاء معظم احتياجاتهم اليومية داخل نطاق قريب من مساكنهم، وهو مفهوم عاد ليحتل مكانة بارزة في التخطيط الحضري الحديث بعد قرون طويلة.
ورغم مرور أكثر من أربعة قرون، ما تزال مجمعات المواسين وباب دكالة شاهدة على عبقرية عمرانية جعلت من مراكش مدينة سبقت زمنها في تنظيم المجال، وربطت بين العبادة والتعليم والخدمات والاقتصاد في مشروع حضري واحد، ما يفسر استمرار حضورها في ذاكرة المدينة إلى اليوم.
في الحلقة الثالثة: كيف حافظت هذه المعالم على مكانتها عبر القرون؟ وما الذي بقي من المشروع السعدي في مراكش اليوم، وما الذي ضاع بفعل الزمن والإهمال؟
ملحوظة: استندت هذه السلسلة أساسا إلى الدراسة العلمية «العمارة الدينية كأداة للتجديد الحضري: مجمعان دينيان من العصر السعدي بمراكش» للباحث إينيغو ألميلا (Íñigo Almela)، وهي دراسة أُنجزت في إطار مشروع بحث ممول من وزارة الاقتصاد الإسبانية وصندوق الاتحاد الأوروبي، وأشرف عليها الدكتور أنطونيو الماغرو من معهد الدراسات العربية بغرناطة. وتعتمد النسخة العربية على ترجمة ومراجعة وتحيين للدراسة الأصلية المنشورة سنة 2019 في مجلة Al-Masāq، مع مراجعة لغوية للدكتورة شرين سامي، وقراءة علمية للأستاذ سمير أيت أومغار.