الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاثمراكش الذاكرة

الحنين إلى مراكش العتيقة.. قراءة في “موسوعة حضارة مراكش بين زمنين” لمليكة العاصمي (ج1)

لا يمكن قراءة كتاب “موسوعة حضارة مراكش بين زمنين” للدكتورة مليكة العاصمي باعتباره مجرد عمل توثيقي عن مدينة مغربية عريقة، بل هو مشروع فكري وثقافي يسعى إلى إعادة كتابة سيرة مراكش من الداخل، عبر استحضار تفاصيلها البيئية والاجتماعية والعمرانية، وربطها بأسئلة الحاضر والمستقبل.

فالكاتبة، التي راكمت تجربة طويلة في الشعر والبحث والنضال الثقافي، تجعل من مراكش محوراً ثابتاً في أعمالها، انطلاقاً من قناعة مفادها أن المدن ليست مجرد عمران وأبنية، وإنما كائنات حية تمتلك ذاكرة وهوية وروحاً، وأن فقدان هذه الذاكرة يعني فقدان جزء من الشخصية الحضارية للمجتمع.

يأتي هذا المؤلف الضخم، الممتد على أكثر من 650 صفحة موزعة على ثلاثة أجزاء، ليؤكد هذا الرهان. فالعاصمي لا تقدم معجماً للمعلومات ولا تاريخاً كرونولوجياً للمدينة، بل تنسج ما يشبه “السيرة الحضارية” لمراكش، حيث تتجاور الجغرافيا مع التاريخ، والعمارة مع الثقافة، والعادات اليومية مع التحولات السياسية والاجتماعية.

ومن هنا يكتسب وصف الكتاب بـ”الموسوعة” معناه الحقيقي؛ فهو محاولة لجمع مختلف عناصر الشخصية المراكشية داخل عمل واحد، يضع أمام القارئ صورة متكاملة لمدينة صنعتها قرون من التفاعل بين الإنسان والطبيعة، وبين السلطة والمجتمع، وبين الثقافة المحلية والتأثيرات الخارجية.

ويبرز منذ الصفحات الأولى أن المؤلفة تنظر إلى مراكش باعتبارها نموذجاً حضارياً قائماً على ثلاثة أعمدة متكاملة: الطبيعة، والإنسان، والعمران. وهي الفكرة التي يرمز إليها أيضاً غلاف الكتاب، حيث تجتمع مياه المنارة، والخضرة، والنساء في مشهد يختزل علاقة الإنسان المراكشي بمجاله الطبيعي، ويجسد فلسفة عيش ظلت تميز المدينة لقرون طويلة.

في الجزء الأول، تعود العاصمي إلى الأسس الطبيعية التي قامت عليها مراكش، فتتوقف عند موقعها الجغرافي، ومواردها المائية، وشبكة الخطارات، والعيون والآبار، قبل أن تنتقل إلى البساتين والعرصات والواحات التي منحت المدينة طابعها الأخضر. ولا تورد هذه المعطيات باعتبارها معلومات تاريخية فحسب، بل لتؤكد أن ازدهار مراكش لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتيجة معرفة دقيقة بالبيئة وكيفية استثمارها، وهو ما جعل المدينة قادرة على الاستمرار في محيط طبيعي صعب.

وتبرز القراءة أيضاً أن المؤلفة تمنح للماء مكانة تتجاوز وظيفته الحيوية، فهو عنصر مؤسس للعمران، ومحدد لاختيار مواقع الاستقرار، وسبب في ازدهار الزراعة والحدائق، بل وركيزة في بناء القوة السياسية والعسكرية للدول التي اتخذت مراكش عاصمة لها.

ومن الطبيعة تنتقل الموسوعة إلى الإنسان، حيث يستعرض الجزء الثاني تفاصيل الحياة اليومية للمراكشيين، مقدماً صورة لمجتمع كان يجعل من النزهة جزءاً من ثقافته وليس مجرد وسيلة للترفيه. فقد كانت “النزاهة” مناسبة لتجديد الروابط العائلية والاجتماعية، وإحياء الفنون الشعبية، وممارسة الألعاب الجماعية، وتداول الحكايات والأشعار، بما يعكس توازناً بين متطلبات الحياة والعمل والاستمتاع بالطبيعة.

وتولي العاصمي أهمية كبيرة للمطبخ المراكشي باعتباره مكوناً من مكونات الهوية الثقافية، فتتوقف عند الطنجية والكسكس والكباب وأصناف الحلويات وطقوس إعداد الشاي، معتبرة أن هذه التفاصيل ليست مجرد عادات غذائية، بل تعبير عن نمط عيش كامل يحمل قيماً اجتماعية وثقافية متوارثة.

ولا يغيب عن المؤلفة البعد الأنثروبولوجي، إذ توثق الألعاب الشعبية، والأهازيج، والرقصات، وفنون الفرجة، باعتبارها عناصر من التراث اللامادي الذي بدأ يتراجع أمام أنماط الحياة الحديثة. وهنا يتحول الكتاب من مجرد توثيق للماضي إلى محاولة لإنقاذ ذاكرة جماعية مهددة بالاندثار.

وتكشف هذه الصفحات أن مشروع مليكة العاصمي لا يقوم على الحنين المجرد إلى الماضي، وإنما على الإيمان بأن فهم تاريخ المدينة وثقافتها شرط أساسي لبناء مستقبلها. فقبل أن تطرح في الجزء الثالث أسئلة العمران والحداثة، تحرص على تعريف القارئ بمراكش التي كانت، حتى يدرك حجم ما تغير، وما ينبغي الحفاظ عليه.

وهكذا تبدو الحلقة الأولى من هذه الموسوعة بمثابة رحلة في الجذور؛ رحلة تعيد اكتشاف المدينة وهي تنمو في انسجام بين الإنسان والطبيعة، قبل أن تبدأ التحولات الكبرى التي ستصبح موضوع الجزء الأخير من الكتاب، حيث تنتقل المؤلفة من استعادة الذاكرة إلى مساءلة الحاضر ونقد اختيارات التعمير والعمران.

يتبع … 

*قراءة في المؤلف نشرت ضمن مواد الملحق الثقافي لجريدة العلم يوم الخميس 12 نونبر2020

arArabic