عبد الجبار لوزير ، ما الذي يتجمع تحت هذا الإسم ؟ و مالذي ينتشر خلف هذه الشهرة التي لازمته لعقود طويلة ؟ إنه حفر في أعماق فرح أبهج قلوب المغاربة في وقت أحزنتهم فيه السياسة كثيرا، بقساوتها و دمويتها ..

إنه مغامرة نسجت نفسها من خيوط متشابكة لصدف ماكرة و جميلة و مفارقات توترت في قلب سؤال اخترق تاريخا متوثبا،انطلقت بدهشة جامع الفنا و امتدت بعبور من تحت إبط الموت عدة مرات و مواجهة مشنقة الإعدام و إطلاق ثلاث رصاصات بهدوء في رأس خائن بباب جهنم و قنبلة سينما مرحبا، لتجعل منه
رافقت أخي الى «لافياسيون» (القاعدة الجوية) حيث كان يعمل ككهربائي. كان معي رفيقان من الخلية يدعيان البحيري وبوجمعة. هدفنا هو التعرف على المكان لتنفيذ عملية به. وصلنا منطقة رسو الطائرات. ضبطنا منافذ المطار وتصميمه. وفي تلك الاثناء وصلت الى آذاننا أصوات وقع الاقدام. التفتت فإذا بي أرى حشدا كبيرا من عناصر الدرك والامن يطوقونا.
اعتقلونا، داهمني إحساس كبير بالفقد.. عندما بلغنا باب الجديد قلت في نفسي«وداعا باب الجديد لن أراك بعد اليوم».
مازلت أذكر أننا واجهنا فريق «مغرب باب أيلان» يوم الاحد. وفي اليوم الموالي ألقي علي القبض. نشوة الكرة لم تفارقني حتى وأنا أجتاز مواقف حدودية متاخمة للموت.
نزلنا في ضيافة «كوميسارية جامع الفنا» الذائعة الصيت، هناك ذقت وجبات مفضلة من التعذيب معدة بعناية. كان من الصعب علي تصور مضمون آخر للجحيم بعد العذاب الذي لقيته هناك. الجلادون يعدون جدولة مرتبة بدقة لانتزاع أقصى درجات الألم من أجسادنا المنهكة بالسهر والتعب. مثلا يوثقون أقدامنا بشدة ويشرعون في ضربها الى أن يموت إحساسنا بها. وبعدها يرغموننا على المشي على أرضية مفروشة بحصى صغير (الكرافيت) عندها يصل الألم الى حد الإغماء. نتهاوى أرضا. فيبدأ الضرب مرة أخرى. ويستمر المسلسل الى أن يصل ذروته. يمسكون أصابعنا بالملقاط (اللقاط). اعترفت بكل ما شاركت فيه من عمليات وما كنا نخطط له بعد المحاكمة، صدر في حقي حكم بالإعدام أنا وبن ابراهيم وحمان الفطواكي وعلال وبوبكر وغيرهم.. ولأنني كنت متابعا في ملف آخر متعلق بتوزيع المناشير وغيرها، أحالوني على محكمة الرباط مع بن ابراهيم دائما وولد عبد الكريم وسي احمد الخروفة ضمن مجموعة متكونة، إذا لم تخن الذاكرة، من ثمانية أشخاص. أما حمان الفطواكي فسرعوا بإعدامه.
مكثت ببولمهارز (سجن مراكش) سبعة أشهر وبعدها رحّلونا الى سجن لعلو الذي أقمنا فيه الى أن جاء الفرج مع عودة محمد الخامس والتوقيع على الاستقلال.
كان من ضمن العمليات التي شاركت فيها. التحضير لاغتيال الجنرال دوكول خلال زيارته لمراكش. كنت مكلفا أنا وبن ابراهيم بنقل قفة عادية مليئة بالخضر التي تغطي 15 قنبلة سلمناها للذين سيقومون بتفجيرها على موكب شارل دوكول بباب «النقب» (قرب عرصة مولاي عبد السلام وقصر البلدية). اندس المنفذون ونحن معهم، وسط جمهور الفضوليين الذين ينتظرون مرور الزعيم الفرنسي. لكن في آخر لحظة قام عناصر الامن بتشتيتهم وإبعادهم من المكان كما لو كانوا قد استشعروا وقوع شيء غير عادي.
أفلت المنفذون شارل دوغول، لكنهم لم يستسلموا. فبعد مرور موكبه اصطف الجنود الذين قدموا له التحية أمام البلدية. فتسلل عناصر المقاومة قربهم وألقوا عليهم القنابل من كل الجهات. بدأ الركض وهيمن الكر والفر على المكان والفوضى عمت كل شيء.. حملت ابن ابراهيم لأنه ضرير على كتفي وأطلقت العنان لأقدامي. مررت من عرصة الحامض وأمام سينما الفتح الى أن وصلت الرميلة فوضعته أرضا وقلت له «أكمل طريقك وحدك».
سألني «الى أين أنت ذاهب؟» أجبته «سأعود الى مكان العملية» حاول أن يصدني لكنني أفلتت منه. وعدت لأتابع مشاهد الجرحى والمعطوبين والدماء وسيارات الاسعاف وارتباك أجهزة الحماية الفرنسية. كانت عملية مزلزلة حقا.
في تلك الاجواء المشحونة وفي ظل ضراوة المواجهة بين المقاومة وسلطات الحماية وأعوانها، كان مخزني من أتباع الكلاوي يدعى بولغولودن يعترض سبيل المارة بباب تغزاوت ويجبر كل من يمتطي دراجة على النزول منها قائلا «أكوز أيمّاكََْ!!».. ذات يوم كان أخي الاكبر يمر من هناك بدراجته، فاعترض طريقه مكرها إياه على النزول، لم يأبه له أخي فنزل عليه بهراوة غليظة كسرت يده.
عدت الى البيت فوجدتهم يبكون. سألتهم «ماذا وقع؟» أجابوني «بولغولودن كسر يد أخيك». ذهبت للتو عند بن ابراهيم وقلت «أنا في حاجة لمسدس. يجب أن تمدني به وإلا ستنقطع علاقتنا» رد علي «علاش؟ ياك لاباس؟!» حكيت له القصة. فطلب مي مهلة للاستشارة. بعدها مكنني من طلبي.
أخفيت المسدس وقصدت مكان تواجد المخزني. لم أعثر عليه. سألت عنه فقيل إنهم غيروا مكانه. تحريت هنا وهناك عن مكانه الجديد الى أن عثرت عليه بباب «جهنم» قرب عرصة بن ابراهيم. تأكدت من وجوده كان جالسا. توجهت نحوه بخطى حازمة. سددت فوهة المسدس الى رأسه. ضغطت على الزناد. طلقة أولى. طلقة ثانية. وطلقة ثالثة، لا حظ له للفوز بفرصة ثانية في الوجود.
استدرت بهدوء وعدت بخطو رزين من حيث أتيت. في طريقي سمعت الناس يقولون «راه قتلو بولغولودن».
يوم 17 غشت 1954 اعتقلت. أمضيت عشرة أيام بكوميسارية جامع الفنا وسبعة أشهر بسجن مراكش. عند ترحيلنا الى سجن لعلو بالرباط استنفرت قوات الجيش. قطعت الطريق المؤدية الى محطة القطار ومنع الناس من المرور، واصطفت بها شاحنات العسكر. وخصصوا لنا عربة محروسة بالقطار. وفي طريقنا الى الرباط توقفنا بالدار البيضاء واقتادونا في نفس أجواء الاستنفار الى سجن «غبيلة» حيث قضينا الليل. وفي الصباح استأنفنا المشوار..
بسجن لعلو التقينا مقاومين معتقلين من مدن وجدة وفكيك ومن مختلف مناطق المغرب. وفيه واجهنا غرائب ومفاجآت، وخضنا إضرابات لفائدة سجناء الحق العام وتحسين ظروف إقامتهم به وتحسين الوجبات التي تقدم إليهم. أما نحن فكنا نتوصل بتغذية فاخرة لا نعرف بالضبط مصدرها ـ كلها دجاج وشواء وغيرها من صنوف الطعام الذي لا يوضع إلا في موائد المناسبات الاستثنائية. وبفعل اشتداد الاحتجاجات. وافقت إدارة السجن على تشكيل لجنة من أربعة سجناء للإشراف على إعداد الطعام. وكنت واحدا منهم. وذات يوم تهجم أحد الحراس على المقاوم ولد الخروفة وشتمه، لم أحتمل هذا الموقف، فانسللت وأمسكت بسكين. رمقني الحارس فلاذ بالفرار.. وأخذ يصرخ فدوت صفارة الإنذار وهرع الى المكان العشرات من الحراس مصوبين رشاشاتهم نحوي طالبين مني إلقاء السكين. وذلك ما فعلته فورا. لو تأخرت قليلا لما تركوا لي مجالا لأحكي اليوم هذه القصة.. اقتادوني للتحقيق. فثارت ثائرة السجناء المقاومين الذين ضاعفوا احتجاجهم، حيث تعالت الشعارات وقرعت الأيدي أبواب الزنازن. فقرر المدير إعادتي الى زنزانتي وإعادة تشكيل اللجنة من أربعة سجناء آخرين. قضينا شهورا طوالا جيئة وذهابا ما بين سجن لعلو والإقامة العامة. حينها كان حكم بالإعدام ينتظرني بمراكش ومصير مجهول ينتصب أمامي بالرباط. والعالم معلق بين حيرَتيْن.