في أحدث التطورات، دعت مجموعات احتجاجية ونقابات عمالية في فرنسا إلى تنظيم مظاهرات جديدة يوم 31 أكتوبر وإضراب وطني يوم 5 نوفمبر، وفق ما نقلته رويترز في 25 أكتوبر، للمطالبة بتحسين الأجور ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وحماية الخدمات العمومية. ورغم إعلان السلطات تراجع عدد المعتقلين مقارنة بأحداث الأسبوع السابق، فإن استمرار التعبئة قد يزيد الضغوط على الحكومة، التي تواجه تحدي احتواء الغضب الاجتماعي من دون تفاقم الأزمة المالية، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي المقرر سنة 2027.

إلى ذلك وصفت مجلة «بوليتيكو» فرنسا بأنها «رجل أوروبا المريض»، في إشارة إلى الضغوط المتزايدة التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، نتيجة تداخل أزمة المالية العمومية مع الاحتقان الاجتماعي والاضطراب السياسي. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع الدين العام وعجز الميزانية وتباطؤ النمو، ما يحد من قدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وتعكس المؤشرات المالية حجم التحديات المطروحة؛ فقد بلغ الدين العام الفرنسي 115.6 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، فيما استقر عجز الميزانية عند 5.1 في المائة. وتتزامن هذه الأرقام مع ضعف النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي يجعل تمرير إجراءات لخفض الإنفاق العام أكثر صعوبة، ولا سيما في قطاعات التقاعد والتعليم والصحة والخدمات العمومية. وأشارت صحيفة «لوموند»، في تقرير نشرته يوم 23 أكتوبر 2026، إلى أن تراجع الاستهلاك وارتفاع تكاليف الطاقة والفوائد قد يزيدان الضغوط على الاقتصاد الفرنسي.
وعلى الصعيد الاجتماعي، اتسعت الاحتجاجات التي بدأت في أوساط التلاميذ والطلبة بسبب نقص الأطر التعليمية وتدهور ظروف الدراسة، لتشمل مطالب تتعلق بغلاء المعيشة وتراجع جودة الخدمات العمومية والأجور. وشهدت مدن، من بينها باريس ومرسيليا وليون، مواجهات وأعمال تخريب ونهب خلال احتجاجات 17 أكتوبر، فيما شددت السلطات الإجراءات الأمنية وفرضت قيوداً على بعض التجمعات. وأقر الرئيس إيمانويل ماكرون بوجود إخفاقات في الاستعداد للمواجهات، بينما أكدت الحكومة ضرورة التصدي لأعمال العنف.
وأثارت الاضطرابات مخاوف في الأسواق المالية بشأن قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق وتقليص العجز، في وقت ارتفعت فيه تكلفة الاقتراض واتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية. كما حذرت تقارير اقتصادية من أن تراجع إنفاق المستهلكين، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمتاجر والمرافق، قد يؤثر سلباً في النشاط التجاري والنمو. وتأتي هذه الضغوط بينما تستعد الحكومة لطرح ميزانية جديدة وسط انقسامات سياسية وصعوبات برلمانية.