المراكشية: إعداد هيئة التحرير
لم يكن تعثر مجلس الأمن الدولي في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن الصحراء المغربية، الجمعة 30 أكتوبر، مجرد إخفاق إجرائي في تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة «المينورسو»، بل كشف عن خلاف أعمق بشأن طبيعة المهمة الأممية ومستقبلها، والمرجعية التي ينبغي أن تحكم المفاوضات السياسية خلال المرحلة المقبلة.

فبينما سعت واشنطن إلى إدخال تغييرات جوهرية على اسم البعثة واختصاصاتها، بما يعكس انتقالاً من مهمة مرتبطة بالاستفتاء إلى مهمة سياسية تواكب مسار التسوية، قدمت موسكو مشروعاً مضاداً يقتصر على تمديد الولاية بصيغتها الحالية. غير أن سقوط المشروعين معاً ترك المجلس دون قرار جديد، وفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز نتيجة التصويت إلى مستقبل الحضور الأممي في المنطقة.
المشروع الأمريكي.. تغيير اسم البعثة وطبيعة مهمتها وليس مجرد تمديد تقني
تجاوز المشروع الأمريكي مسألة التجديد السنوي المعتاد لولاية المينورسو، إذ حمل تصوراً لإعادة تشكيل المهمة الأممية، من خلال تغيير اسمها من «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء » (MINURSO) إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء » (MINUSO)، بما يعني حذف الإشارة إلى الاستفتاء من التسمية الرسمية.
ولم يكن هذا التغيير شكلياً، بل ارتبط بمراجعة طبيعة الاختصاصات المسندة إلى البعثة، عبر إنهاء ارتباط مهمتها بالتحضير للاستفتاء، وتقليص مكونها العسكري، مع التوجه نحو إعادة هيكلتها لتضطلع بدور سياسي يدعم جهود التسوية والمفاوضات بين الأطراف.
كما جعل المشروع الأمريكي مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً للمفاوضات، في تحول عن الصياغات السابقة التي كانت تترك مجالاً أوسع لطرح الخيارات المختلفة ضمن مسار تقرير المصير.
وبذلك كانت واشنطن تقترح الانتقال من بعثة ارتبط تأسيسها سنة 1991 بتنفيذ مخطط التسوية والاستفتاء، إلى حضور أممي ذي طبيعة سياسية، يتماشى مع المسار التفاوضي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى الدفع به.
وتكشف هذه التعديلات أن النقاش داخل مجلس الأمن لم يعد مقتصراً على المدة الزمنية التي ينبغي أن تستمر فيها المينورسو، بل امتد إلى السؤال المتعلق بوظيفتها المستقبلية، وما إذا كان ينبغي الإبقاء على الصيغة التي تأسست بها قبل أكثر من ثلاثة عقود، أم إعادة تشكيلها وفق متطلبات المسار السياسي الجاري.
موسكو لم تقدم بديلاً يحظى بأغلبية المجلس.. ثلاثة أصوات فقط للمشروع الروسي
في مقابل التوجه الأمريكي، قدمت روسيا مشروع قرار مضاداً يقترح تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على اسم البعثة ومهمتها دون التغييرات الجوهرية التي تضمنها النص الأمريكي.
غير أن المشروع الروسي لم يتمكن من حشد التأييد داخل مجلس الأمن، إذ حصل على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل صوت واحد معارض، فيما امتنع 11 عضواً عن التصويت، وهي نتيجة لم توفر الحد الأدنى المطلوب لاعتماد القرار.
وتكتسي هذه النتيجة أهمية إجرائية في قراءة ما حدث؛ فالمشروع الروسي لم يسقط بسبب استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضده، وإنما بسبب عدم حصوله على تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، وهي العتبة اللازمة لاعتماد القرارات غير الإجرائية داخل مجلس الأمن.
وبالتالي، لم تكن هناك حاجة إلى لجوء واشنطن إلى الفيتو لإسقاط النص الروسي، بعدما أظهرت نتيجة التصويت عدم توفر أغلبية كافية لدعمه.
وتكشف هذه الحصيلة أن موسكو، رغم نجاحها في تعطيل المشروع الأمريكي باستخدام الفيتو، لم تتمكن بدورها من إقناع غالبية أعضاء المجلس بالعودة إلى صيغة التمديد التقليدي للبعثة، ما جعل المجلس عاجزاً عن اعتماد أي من المقترحين.
عدم تجديد المينورسو لا يعني تلقائياً انتهاء النزاع.. أسئلة أمنية وعملية مفتوحة
من بين النتائج التي أفرزها تصويت الجمعة، بروز احتمال انتهاء ولاية المينورسو دون اعتماد تمديد جديد، وهو تطور يطرح تساؤلات بشأن مستقبل الحضور الأممي في المنطقة.
فالمهمة التي أنشأها مجلس الأمن سنة 1991 لم تكن مرتبطة بالتحضير للاستفتاء وحده، بل تضطلع أيضاً بوظائف ميدانية وأمنية، في مقدمتها مراقبة وقف إطلاق النار، وتوفير المعلومات المتعلقة بالتطورات العسكرية، والمساهمة في خفض التوتر بين الأطراف.
وعلى امتداد السنوات الماضية، شكل الوجود الميداني للبعثة إحدى قنوات الرصد الأممي للوضع في المنطقة، رغم تعثر تنظيم الاستفتاء الذي ارتبط به تأسيسها، واستمرار الخلاف حول شروطه والهيئة الناخبة والخيارات المطروحة.
ومن هنا، فإن انتهاء الولاية دون تجديد يطرح إشكالات تتعلق بمصير المراقبين الأمميين وتجهيزات البعثة، وآليات متابعة الوضع الميداني، والجهة التي ستتولى مستقبلاً وظائف الرصد وتوفير المعلومات بشأن وقف إطلاق النار.
وبالتالي، فإن النقاش حول مستقبل المينورسو لا يتعلق فقط باستمرار اسمها أو تغييره، وإنما أيضاً بالوظائف التي تقوم بها، والضمانات التي يمكن أن تؤمن استمرار مراقبة الوضع الميداني، بصرف النظر عن طبيعة التسوية السياسية المنتظرة.
القرار 2797 لسنة 2025 يظل مرجعاً قائماً.. وسقوط المشروع الجديد لا يلغي مضمونه
في خضم الجدل الذي أعقب التصويت، تبرز أهمية القرار رقم 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، باعتباره آخر قرار أممي جرى بموجبه تمديد ولاية المينورسو، وحدد الإطار السياسي الذي استندت إليه المفاوضات خلال السنة الماضية.
فقد نص القرار على تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2026، كما أعرب عن الدعم الكامل لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير المفاوضات، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين.
وفي الوقت نفسه، دعا القرار الأطراف إلى الانخراط في المناقشات دون شروط مسبقة، على أساس المبادرة المغربية، من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول بشكل متبادل، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر النتائج قابلية للتحقق.
كما طلب المجلس من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية المينورسو، مع أخذ نتائج المفاوضات بعين الاعتبار، وهو ما شكل خلفية أساسية للنقاش الذي سبق التصويت الأخير.
ومن الناحية القانونية والمؤسساتية، فإن عدم اعتماد مشروع القرار الأمريكي لا يعني إلغاء القرار 2797 أو إسقاط مضامينه، كما أن عدم اعتماد المشروع الروسي لا ينشئ بديلاً عنه. فالقرار السابق يظل قراراً أممياً قائماً، لكن الأجل الذي حدده لولاية البعثة انتهى في 31 أكتوبر 2026، ما يفرض البحث عن صيغة جديدة لمعالجة وضعها المؤسسي.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في نتائج جلسة الجمعة: فالمجلس لم يتراجع عن الإطار السياسي الذي أقره في القرار السابق، لكنه لم يتمكن في الوقت نفسه من الاتفاق على كيفية ترجمة ذلك الإطار إلى صيغة جديدة لعمل البعثة الأممية.
وبين مشروع أمريكي يدفع نحو إعادة تشكيل المهمة الأممية، ومشروع روسي يدافع عن استمرارها بصيغتها الحالية، انتهى التصويت دون قرار جديد، ليظل مستقبل المينورسو معلقاً على مآلات المشاورات داخل مجلس الأمن، وعلى قدرة الأطراف الدولية على التوصل إلى صيغة توافقية تجمع بين مواصلة المسار السياسي والحفاظ على آليات مراقبة الوضع الميداني.
المصدر الوكالات الدولية والصحف العالمية