الصفحة الرئيسيةأخباررأي

كيف يختزل دونالد ترامب أزمات الحرب على إيران في جيب المواطن الأمريكي؟”

بقلم نورالدين بلحاج الكتبي /  المراكشية 

يرفع دونالد ترامب شعار “أمريكا أولًا” بوصفه بوصلة لكل قرار سياسي أو عسكري، حيث يُختزل العالم في انعكاساته على جيب المواطن الأمريكي واستقراره. غير أن هذا المنطق، الذي يقدّم الداخل على ما سواه، يكشف في المقابل مفارقة صارخة: تجاهل التداعيات الواسعة لأي تصعيد، خصوصًا مع إيران، على اقتصاد عالمي مترابط يتأثر مباشرة بأي اضطراب في شرايين الطاقة مثل مضيق هرمز. وبين خطاب يطمئن الأمريكيين وواقع دولي يشتعل بالغلاء والاضطراب، يبرز سؤال جوهري حول حدود هذا الشعار حين يتحول من أولوية داخلية إلى تجاهل شبه كامل لمصير عالم بأسره

أولًا: منطق “أمريكا أولًا” وتفسير التركيز على الداخل
منذ صعود ترامب

شكّل شعار “أمريكا أولًا” قاعدة لرؤيته السياسية. هذا يعني أن أي أزمة دولية، بما فيها التوتر أو الحرب مع إيران، يتم تقييمها أساسًا بمدى تأثيرها على الداخل الأمريكي: الأسعار، الوظائف، الاستقرار المالي، وكلفة الطاقة. لذلك، عندما يتحدث عن “انهيار مالي” في إيران أو “شح السيولة”، عند حصاره لمضيق هرمز فهو يقدّم رواية تخدم جمهوره الداخلي: إظهار أن الضغط الاقتصادي ينجح دون كلفة كبيرة على الأمريكيين.

ثانيًا: لماذا المواطن الأمريكي هو محور الخطاب؟
السبب ليس فقط سياسياً بل بنيوي في النظام الأمريكي:

– الرئيس يُحاسب انتخابيًا على الاقتصاد الداخلي، لا على رفاهية العالم.
– كما أن ارتفاع أسعار الوقود في أمريكا (نتيجة أي اضطراب في مضيق هرمز) قد يكلّفه شعبياً.
 – الطبقة الوسطى الأمريكية حساسة جدًا للتضخم، خاصة في الطاقة والغذاء.
بالتالي، تركيز ترامب على “عدم تضرر أمريكا” هو رسالة طمأنة للناخب قبل أن يكون تحليلاً دقيقًا للوضع العالمي.

ثالثًا: المفارقة—العالم يتأثر أكثر من الخطاب الأمريكي
رغم أنه يخالف الواقع الاقتصادي :
إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يرفع أسعار النفط عالميًا، ما ينعكس مباشرة على أوروبا ودول الخليج وحتى الدول النامية.
دول الخليج، رغم كونها منتجة للطاقة، تتأثر من حيث الاستقرار والاستثمارات وسلاسل الإمداد.
أوروبا، التي تعتمد جزئيًا على واردات الطاقة، تواجه تضخمًا إضافيًا في سياق اقتصادي هش أصلاً.
بعبارة أخرى، بينما يركز الخطاب الأمريكي على الداخل، فإن الأثر الحقيقي للحرب أو التوتر يتوزع عالميًا بشكل غير متكافئ.

رابعًا: هل فعلاً أمريكا “غير متضررة”؟
هذا الادعاء فيه مبالغة:
أي ارتفاع في النفط يؤثر على السوق الأمريكية، حتى لو كانت منتجًا كبيرًا.
الأسواق المالية الأمريكية تتفاعل بسرعة مع التوترات الجيوسياسية.
كلفة التدخل العسكري أو دعم الحلفاء تُحمّل في النهاية على دافع الضرائب.
لكن الفرق أن الاقتصاد الأمريكي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بغيره، لذلك يبدو التأثير أقل حدة.

خامسًا: تجاهل الحلفاء أم اختلاف أولويات؟
القول إن ترامب “لا يبالي” بدول الخليج أو أوروبا يحتاج تدقيقًا. الأصح أنه:
يعطي أولوية للمصلحة الأمريكية حتى لو تعارضت مع مصالح الحلفاء.
يرى أن على الحلفاء تحمّل جزء أكبر من كلفة أمنهم.
يستخدم الضغط الاقتصادي والسياسي كأداة تفاوض، حتى لو أحدث اضطرابًا عالميًا.

سؤال “لماذا يهمّ ترامب المواطن الأمريكي أكثر من العالم؟” إجابته بسيطة لكنها غير مريحة: لأنه منتخب لخدمة الأمريكيين أولًا. غير أن المشكلة تكمن في الفجوة بين الخطاب والواقع—فالعالم مترابط، وأي صراع مع إيران، خاصة إذا مسّ مضيق هرمز، لا يمكن عزله داخل حدود الولايات المتحدة.
النتيجة أن الخطاب السياسي قد يطمئن الداخل، لكنه لا يغيّر حقيقة أن العالم—بما فيه أمريكا—يدفع كلفة أي تصعيد، وإن بدرجات مختلفة.

arArabic