الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاثملفات خاصة

هل وصلت التفاهة إلى التصوف ؟ .. بقلم د. مولاي علي خاميري

بقلم د. مولاي علي خاميري / أستاذ جامعي ـ مراكش

في المدة الأخيرة برزت على سطح التصوف في بلدان عديدة ، ومنها المغرب مجموعة من الظواهر السلبية ، أو التافهة ، أثارت زوابع من مواقف النقد والرفض ، تفاوتت في مداها وقوتها وأحكامها ، وصدرت من أهل التصوف الغيورين ، ومن بعض الباحثين والمهتمين بالمجال .

يمكن أن نقول بأن التفاهة في التصوف عموما ، والمغربي منه على وجه الخصوص لها مضامين سابقة ، وإن لم تثر ما أثارته اليوم ، كما أن لها ممارسات حاضرة في الفعل الصوفي باستمرار ، اتخذت أشكالا عديدة ، سأرتبها – حسب فهمي – في نسق على الشكل التالي :

1 – حرص المتصوفة المستمر على التميز عن بقية المومنين بحق ، وبغير حق ، وبفهم وعلم ، وبغير ذلك ، والحرص المذكور دفع المتصوفة القدامى إلى ابتكار قسمة ثلاثية فيما يخص مراتب التدين : ( شريعة – حقيقة – طريقة ) وهذا التقسيم بدأ معتدلا ، وقائما على شيء من المعرفة ، يتوخى الزيادة في مساحة التفكير ، والسعي إلى التدين بصيغة الكمال ، والتحفيز على العمل الجاد المتواصل بغية الوصول إلى درجة النقاء والرضى ، ثم تحول إلى طلاسم وادعاءات ، تنجز برغبات فردية مشوهة ، استغلها الجهلة ، وأنشأوا بواسطتها ممرات سهلة لأصحاب التعالي ، ومكنت مدعي التلفيق والتزوير من العبور الآمن لميدان التصوف .

2 – التصوف في المغرب كان ولا زال تابعا لمنظومة التصوف المشرقية ، فالتأطير العلمي الواسع متفاوت بين الناحيتين ، ويحوز منه التراث المشرقي قصب السبق كما وكيفا ، كما يتربع على مقام الأستاذية مقارنة بما أنجزه المغاربة على طول تاريخ التصوف .

3 – في التصوف هناك مجالات عديدة وكبيرة لمراتع الضلال ، تحكمت وتوالدت ، واستحدثت نواقص ملموسة ، فعندما يسود الجهل تكثر ضوابط التبعية العمياء ، وسيطرة الشيوخ بمفهومهم السلبي القديم ، أو المعاصر على المريدين ، وعلى المشهد الصوفي برمته ، مع ترويج ثقافة الدرواشة المقيتة في جانب ، والإقبال على الحياة باستفادات عريضة في جوانب أخرى ، تعمل على صناعة نسق يقدس طابع الرضوخ والعبودية ، ليس لله وحده ، وإنما لأهل الزعامة من الأشخاص والأصنام ، فسطوتهم تفوق بكثير حضور دلالات الذات الإلهية في نفوس تُبَّاع شيوخ المتصوفة في وقتنا .

4 – من الأفكار المضللة في التصوف فكرة الولاية وما يتبعها من كرامات ، ففي فهمها يقع الخلط بين الأحوال والمقامات ، بين قليل من الصحة والصدق ، وكثير من الكذب والتدجيل ، أساسها المتحكم في الأغلب الأعم هو الادعاء ، وسيلاحظ القارئ المتتبع أن هناك فروقا كبيرة بين ما كتبه الأولون ، وما كتبه المتأخرون في الموضوع وبمستويات صادعة وصادمة ، نتيجة لتوسع دائرة الجهل ، وتصدر الوجاهة المصطنعة المطلوبة للقيادة والبروز الاجتماعي المنشود والمتفشي في الأزمنة الأخيرة ، ومن يريد الدليل العلمي فليطالع ما كتبه اللالكائي ( ت : 418هج ) في كتابه : ( أولياء الله….) وأبو نعيم صاحب كتاب ( حلية الأولياء……) ( ت : 430هج ) وليقارنه بكتاب عبد القادر بن الحسين بن مغيزيل ( ت : 894هج ) : ( الكواكب الزاهرة في اجتماع الأولياء يقظة بسيد الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم ) وسيقف على ذلك الفرق المهول الذي حدث على سبيل المثال ما بين القرن الخامس والقرن التاسع الهجري في مسألة الولاية والكرامة ، وسيلاحظ كم اتسعت دائرتها ، وكم كثر مدعيها ، وتوسع حجم وجودها ، وقد ظهر اليوم من يدعي مثل هذا وأكثر ، مع أننا نعرف بحكم طبيعة الإنسان وغرائزه المتأصلة فيه أن شكيمة الدين والتدين تضعف دائما كلما ابتعدنا عن زمن النبوة ، فكيف تُفَسَّرُ القلة والحقيقة في زمن الرسول صلى الله عليه سلم والصحابة رضوان الله عليهم ، والسلف الصالح ، مع الكثرة المتضخمة من الأولياء والكرامات في أوقات الضعف والجهل المسيطرة على حياة المتأخرين ، حين ابتعدوا عن قواعد ومعالم التدين الصحيح ؟! معادلة أخرى تتوافق مع ثنائية العلم والجهل ، وتلبس الحق بالباطل ، وانتشار التلفيق البغيظ في مختلف الأزمنة والأمكنة .

5 – يمارس التصوف الآن بدوافع متعددة ، في مقدمتها جني الأموال ، والثراء والحصول على مكاسب اجتماعية ، وتسلق المناصب ، وأهله أضحوا أغنياء ، ويعيشون حياة الترف والرغد ، والإقبال على الحياة بمظاهر التجبر والاستفادات الدنيوية المتتالية إلى حد التخمة .

انظروا إلى تفاهة المشهد ، وإلى التصورات الجديدة عن التصوف في مثل محتوى هذه التدوينة للصديق العزيز يوسف أبجيك ، نشرها على صفحته الفايسبوكية يوم الجمعة 20 شتنبر 2026م ، يقول راويا مشهدا صادما ، سمعه مباشرة من صاحبه ، يؤسس – كما قيل – لمفاهيم التفاهة الجديدة في مجال التصوف : ( اليَوم، في الرباط، وبينما أنا أنظر تلك الكتب التي يعرضها ذاك الكتبي أمام مَحله، إذا بشخص كنتُ أعرفه، يَنتسب للسَّلفيَّة، وَقف بجانبي، هو أيضا يُقلب تلك السِّلال، يَبحث عما قد يَهمه ويُثير فضوله….. وإذا بهاتفه يَرن، فصار يُحدث مُكلمه بِصَوتٍ كل مَن بقُربه يَسمعُه، فمما قاله لمُحدثه بنبرة فيها سُخرية واستهزاء: .. ولِمَ لا نفتحُ نحن أيضا زاوية ؟ هل هم فقط مَن سيربحون المال ؟ هو ابن حَينا، كان يَصحب الأخيار، فلما اصطادته تلك الطائفة التي تظن وترى نفسها الوَحيدة الناجية مِن هذه الأمّة، لبسَ القميص، وأطال الجُمّة، وقصّر ثيابه، وحَرَمنا – يا وَيْحنا – مِنْ نَظراته المباركة وسلامه الميمون……يظن هذا السَّلفي صاحب الفكر الساذج، أنه مِنَ السّهل فتح زاوية، وأنه بمُجرد فتحها سيأتيها الزوار، وتمتلئ بالمُريدين، ويَقصدها الناس مِن مُختلف الأقطار، وتأتيه الملايين راغمة، فيصير من اهل الثراء، يسبح في النعيم، ويَركب اليُخوت، ويعيش في هناء، وَيطير بالطائرة إلى حيث يشاء….) .

إنه قول صريح ، يملك نصيبا كبيرا من الصحة ، انطلاقا مما يجري اليوم في ميدان التصوف ، فقد أصبح ملاذا ضامنا للإثراء الفاحش ، والتكالب على مصالح الحياة ، وأضحى مقامه بلا حراس ، ولا حراسة ، كل جاهل غبي يظن أنه قادر على الولوج إليه والاستفادة من متع الدنيا المتوفرة فيه…..

إن لم يكن الأمر في واقعه على هذا النحو ، ففي التصورات التي تكونت عليه ما يشي بمثل هذه الرؤية في وقتنا المعاصر ، وما أصعب تأثيرات الرؤى وسرعة انتشارها ، وتمكنها بالإشاعة ، وقدرتها على إزالة الحدود ، وإغراء الجهال المتطاولين ، وفتح الميدان لصالحهم ! .

6 – من نتائج الحيز السابق ظهور تناسلات وتقسيمات ملغومة ، أدت إلى حدود صراعات بين طوائف التصوف المعاصرة ، وداخل الطائفة الواحدة ، فاجتهاداتهم تنصب فقط على طاعة المتحكمين ، ومدى الاستفادة ، وهو محصول حتمي لما يجري من دسائس الفوز والانتصار للذات على أرض الواقع ، وللأسف لم تبن الأحداث على الابتكار والاجتهاد العلمي والفكري والسلوكي المطلوب ، بقدر ارتكازها على الأشخاص وادعاءاتهم المنكرة ، ومنهم جهال وأميون للأسف الشديد ، فالتصوف اليوم يقبع في محراب الاجترار الساكن والمقيت ، وليس له صلة بالواقع بمعنى الانخراط المجتمعي في علاج أمراض المجتمع ، وإشاعة معايير الأخلاق من مثل الزهد والإيثار والتضامن ، والسعي الحثيث إلى حل مشاكل الناس بطرق مبتكرة ، تلبي معايير المجتمع الحديث ، والإنسان المعاصر ، وهذا التفاوت المشاهد بين الممارسة التقليدية ، وحاجيات المجتمع الواقعية يعتبر من الآفات والمعيقات الكبرى ، ويؤكد على أن العاملين والمساندين لا يهمهم من التصوف إلا الوجه القديم البالي ، المدغدغ للعقول بأحلام النجاة في الآخرة وهم المحرومون من متع الحياة بفعل مكر رؤسائهم ومتزعميهم ، ومن لا يريد أن يصدق فليبصر أحوال المشايخ ، وأحوال التباع والمريدين .

7 – التصوف الآن تحول إلى واجهة سياسية أكثر منها دينية ، أو علمية ، يتم توظيفه بشكل ملاحظ وملموس ، يجمع ما بين طقوس الماضي ، ودوافع الحاضر ، وأهداف المستقبل ، وهذا الداء عطب قديم كما يقول السلطان المولى حفيظ رحمه الله وهو يحلل واقع البلد المعوج أمامه ، ولا يمكن إنكار تفشيه الآن ، لأن له علامات ومضامين ، يتحرك بواسطتها داخل المجتمع ، فالأجداد والآباء كانوا يمارسون تصوفهم برغبات ذاتية ، وبقناعات دينية عميقة ، وببساطة متدرجة في الشكل والمضمون ، والمشترك بينهم هو تطبيق حقيقة التصوف ، المتمثلة في حلقات الذكر والعلم والإيمان ، ونشدان السكون والطمأنينة بزيادة بعد أن ضمنوا في دنياهم وسائل الحياة الرغيدة ، وخافوا على أنفسهم من أهوالها وإغراءاتها .

8 – التصوف في وقتنا عقيم جدا ، لا فتح فيه ، ولا إضافات فكرية ، جدية ومطلوبة ، تنبع من واقعنا ووقائعنا ، وتجيب عن أسئلة اليوم ، وحيرة الأجيال المعاصرة ، لا يستطيع أن ينجب قامات فكرية كما فعل بالأمس على صعيد التنظير والممارسة ، كل المجريات تكرس التقاليد ، وتشيع التكرار ، وتعلي من التدخلات الشخصانية المقيتة للزعماء والأفراد ، وهو حلم تائه باسم الفكر والنور والحال والمقام بتضييق مشدد من الأبواب الحديدية المصطنعة ، والقصد الأساس هو إبقاء الوضع قائما ، ولولا المنافع التي يجنيها المنتمون إليه اليوم لما بقي في حضيرته من الأفراد إلا أهل الإيمان الحقيقيون ، فوضعه يتنافى مع مراد الأجيال الجديدة من الحياة ، ومن التدين الصحيح ، والتربية السليمة ، والسلوك القويم المفضي إلى الله تعالى .

9 – طبعا نحن لا نعمم ، ولا نغلق الدائرة ، أو نصبغها بلون واحد ، ولا نزرع اليأس والإحباط في النفوس ، فهذا إن اعتقدناه يصبح ظلما في حق فئات وإن كانت صغيرة ، إلا أنها صادقة ومخلصة في توجهها ، وممارساتها الصوفية ، وتسعى دائما إلى المحافظة على النقاء ، والإحساس بمعاني القرب من الله ، ونيل رضاه .

كل هذه العوامل – وهناك أخرى – ساهمت فيما وصل إليه التصوف اليوم ، فالاجترار البليد ، والتكرار السلبي لأفكار وأفعال ، تكرس الفردانية في الفهم والفعل والقيادة ، وطقوسها تحافظ على منحى الانقياد والرضوخ اللا إرادي ، وتعضيد الادعاءات التي تتعارض مع روح الدين والعلم ، ومع متطلبات منجزات الزمن الحاضر ، والشخصنة المفرطة لمقام الشيخ مع حرمان المريد والتابع من التفكر في المجريات ، ومده بحريته أثناء الإدراك والعمل بزعم أن التصوف الصحيح هو الذي يفرض تلك القواعد…..

ولم ينتبه أحد ، أو لا يريد أن ينتبه إلى أن ما ذكر كان له نصيب فيما وصل إليه التصوف من انحطاط ، وفيما أضحى الناس يرونه في المتصوفة الذين صاروا في الأغلب متناقضين ومتعارضين ومتفرقين فيما بينهم ، يتسابقون فيما بينهم بدسائس للظفر بحطام الدنيا أكثر ، ولم يعد يهمهم صلاح المجتمع ، ونشر العلم ، وابتكار طرق لتطوره ، ومواجهة الظلم ، والوقوف مع الضعيف والفقير ، وكل هذا يتناقض مع طبيعة الإنسان وفطرته ، ومع مقاصد الدين في هدايته ، وإرشاده إلى سبيل الإصلاح والصلاح ، ومع قواعد التصوف الحقة التي لا تسلب من الإنسان إرادته ، بل تعمل على تقويتها ، وربطها بالخالق الواحد الأحد ، وغايتها هو بناء نظام من التوازن النفسي والجسدي ، يجعل من صاحبه عنصرا فاهما لوجوده ، وراضيا عن ذاته ، ومفيدا للناس ولمجتمعه .

وإذا أردنا تطويق الظواهر السلبية التي تتكالب اليوم على مجال التصوف بمستويات عالية فما علينا إلا أن نراجع معانيه على صعيد الفرد والجماعة ، ونعيد النظر في وظيفته وأدواره المجتمعية ، وأن نصحح منه ما شابه الخطأ والاعوجاج والفساد ، وأن نخلصه من كل شوائب الذوات المريضة ، المسيطرة ، والمحركة للمجال ، وإلا سيحدث طوفان كاسح باسم الادعاءات ، وسيزداد حجمه مع توالي الأيام ، وسنرى أصناما جددا يدعون ما شاءوا بلا حسيب ، ولا ضبط ، ولا رقيب ، وستكون العاقبة هي إحداث غليان وصراعات ستجرف الجميع ، وإذ ذاك سيتغير المشهد المنشود إلى ضده ، وسيقع اللوم ، وستحدث الحسرة القاتلة ، ولن ينفع بعد ذلك صراخ ، ولا تصويب ، ولا إصلاح ، ستصبح حالتنا شبيهة بجسم المريض الذي نهشه الداء الخبيث ، المعجز والمتفلت من كل أمل وتطبيب ، لا قدر الله ذلك أبدا .