الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

عيد المولد النبوي بمراكش .. 2/ في قصر البديع كانت الشموع تدخل على السلطان

قبل أن تصبح شموع المولد النبوي عنواناً شهيراً لمدينة سلا، كانت لها حكاية أخرى في مراكش، في زمن السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، حين تحولت ذكرى المولد إلى واحدة من أكبر المناسبات التي تحتضنها عاصمة الدولة السعدية.


في ليلة المولد، كانت مراكش تستعد لمشهد استثنائي. الشموع لم تكن مجرد وسائل للإنارة، بل كانت تُصنع بأشكال وأحجام مختلفة، وتُزخرف بعناية، ثم تثبت فوق هياكل خشبية كبيرة. ومع اقتراب المساء، يخرج الحمالون بها في موكب احتفالي، تتقدمه فرق الإنشاد والذكر، وترافقه الطبول والآلات، بينما يتجمع الناس في أحياء المدينة لمتابعة المشهد.

وكانت الوجهة هي قصر البديع. تدخل الشموع فضاء القصر في موكب مهيب، حتى تستقر فوق منصات أعدت لها داخل الإيوان السلطاني. وهنا تتغير صورة الموكب من مشهد تجوب فيه الشموع شوارع مراكش إلى احتفال داخل البلاط، حيث يحضر السلطان أحمد المنصور في مشهد يجمع بين أبهة الدولة والاحتفاء بالمولد النبوي. وتصف المعطيات التاريخية الشموع بأنها كانت متعددة الألوان والأشكال، تحيط بها المباخر والروائح العطرة.

وفي صباح المولد، كان المنصور يجلس في مجلسه السلطاني، بينما تكون الشموع أمامه في أبهى صورة. ولم يكن الاحتفال مقتصراً على السلطان وأهل البلاط، فقد كان العلماء والوعاظ وأهل الذكر والمنشدون والشعراء جزءاً أساسياً من هذه المناسبة. يبدأ المجلس بالحديث عن شمائل الرسول وسيرته، ثم تتعالى أصوات المادحين والمنشدين بقصائد المديح النبوي، في أجواء تمتزج فيها الموسيقى بالذكر والشعر.

وكان للمولد في قصر البديع وجه آخر لا يقل أهمية: الطعام والعطاء. فقد كانت الموائد تنصب للحاضرين، وتقدم الأطعمة والفواكه والحلويات، قبل أن تختم المناسبة بالعطايا والهبات التي كان السلطان يمنحها للعلماء والأدباء والشعراء وغيرهم. وهكذا أصبح الاحتفال بالمولد في عهد المنصور مناسبة دينية، وثقافية، واجتماعية، وفي الوقت نفسه مشهداً من مشاهد إظهار قوة الدولة وثرائها.

لكن أكثر ما يلفت في هذه الحكاية أن الشموع كانت جزءاً من طقس احتفالي مراكشي قبل أن تستقر صورتها التي نعرفها اليوم في سلا. فقد ارتبطت في عهد المنصور بقصر البديع وبالمشهد السلطاني، ثم خرج هذا التقليد لاحقاً من فضاء البلاط وانتقل إلى حواضر مغربية أخرى، قبل أن تحافظ عليه سلا وتمنحه شخصيتها الخاصة، ليصبح موكب الشموع أحد أشهر تقاليدها المرتبطة بالمولد النبوي.

إنها إذن ليست مجرد حكاية شموع تُحمل في ليلة من ليالي المولد، وإنما صورة من مراكش السعدية عندما كان قصر البديع مسرحاً للسلطة والشعر والموسيقى والذكر والاحتفال.

arArabic